بقلم / رضا اللبان
عندما أخبروني أن موعدي اليوم مع جنكيز خان، ضحكت. وقلت: وهل ما زال هناك من يخاف رجلاً مات منذ ثمانية قرون؟ فنظروا إليّ في صمت. وعندما وصلت إلى سهول منغوليا فهمت السبب. كانت الأرض بلا نهاية.
والرياح تعوي كأنها تحمل أصوات الجيوش القديمة. وفجأة ظهر أمامي فارس على حصان أسود. لم يكن يرتدي تاجًا. ولم يكن حوله حرس. ومع ذلك شعرت أنني أمام رجل لو أشار بيده لتحركت قارات بأكملها. اقتربت منه. وقلت: أأنت جنكيز خان؟ ابتسم وقال: هذا الاسم أخاف العالم أكثر مما أخافني الموت. اجلس. جلست بجواره وسألته:
ـ من أنت حقًا؟
تنهد قليلًا وقال: لم أولد جنكيز خان. ولدت طفلًا اسمه تيموجين سنة 1162م تقريبًا. كنت ابن زعيم قبيلة صغيرة. لكن أبي مات مسمومًا وأنا في التاسعة. وعندها انقلب كل شيء. هجرتنا القبائل. وتركتنا للمجاعة. كنا نأكل ما نجده لنعيش. الجذور. الأسماك. وأحيانًا الفئران البرية.
قلت بدهشة: إذن أعظم فاتح في التاريخ بدأ حياته جائعًا؟
فضحك. وقال: الجوع يصنع الرجال أحيانًا أكثر مما تصنعهم القصور. ثم صمت قليلًا. وقال: وفي صغري قتلت أخي غير الشقيق. نظرت إليه متفاجئًا. فأكمل: كان الصراع على البقاء. في تلك الأرض لا مكان للضعفاء. إما أن تكون الذئب… أو تكون فريسته.
قلت: ومتى بدأت رحلة الصعود؟
قال: عندما اختطف أعدائي زوجتي بورته. كانت المرأة التي أحببتها. ولأجل إنقاذها جمعت الرجال حولي. ثم اكتشفت شيئًا مهمًا. الرجل وحده يموت. أما الرجال المجتمعون خلف قائد فيصنعون التاريخ. ومنذ ذلك اليوم بدأت أجمع القبائل المغولية المتحاربة. بعضهم انضم إليّ.
وبعضهم قاتلني. وبعضهم خانني. لكنني هزمت الجميع.
وفي عام 1206م اجتمعت القبائل ومنحتني لقبًا جديدًا.
جنكيز خان. أي الحاكم العالمي.
قلت: وهل كنت تحلم بإمبراطورية؟ فأجاب: لا. كنت أحلم بعالم لا يستطيع أحد فيه إذلالي مرة أخرى. ثم تحولت الأحلام إلى جيوش. كانت جيوشه مختلفة عن كل جيوش عصره. الفرسان يتحركون بسرعة البرق. كل مقاتل يمتلك عدة خيول. يقطع مئات الكيلومترات بلا توقف. يهاجم من حيث لا يتوقع أحد. ويختفي قبل أن يفهم العدو ما حدث.
قلت: لهذا هزمت الجميع؟
فقال: لهذا هزمت من ظنوا أنهم لا يُهزمون. ثم بدأت الفتوحات. سقطت القبائل المجاورة. ثم شمال الصين.
ثم الممالك الواحدة تلو الأخرى. لكن الزلزال الحقيقي جاء عندما ارتكب سلطان خوارزم أكبر خطأ في حياته.
سألته: ماذا فعل؟
ابتسم ابتسامة مخيفة. وقال: قتَل تجاري ورسلي. في عالم ذلك الزمن كان قتل الرسل إهانة لا تُغتفر. طلبت الاعتذار. فرفض. عندها قررت أن أعلّمه درسًا لن ينساه التاريخى. تحركت جيوش المغول كالإعصار. مدينة بعد مدينة. قلعة بعد قلعة.جيش بعد جيش. انهارت امبراطورية خوارزم العملاقة خلال سنوات قليلة. بعض المدن قاومت فدُمّرت. وبعضها استسلم فنجا. وسرعان ما انتشر الرعب. أصبحت هناك مدن تستسلم بمجرد سماع أن المغول قادمون. قلت: لهذا يصفك كثيرون بأنك أعظم سفاح في التاريخ؟ نظر إليّ طويلًا. ثم قال: التاريخ يكتبه المنتصرون والناجون.نعم مات الملايين في حروبي.
لكنني لم أكن أول من قتل. ولم أكن آخرهم. الفرق أنني نجحت. صمت قليلًا. ثم أضاف: لو خسرت كل معاركي لسماني المؤرخون مجنونًا. لكنني انتصرت… فسموني عبقريًا. كانت إجابة مخيفة. لأنها تحمل شيئًا من الحقيقة.
وصلت إمبراطوريته من سواحل المحيط الهادئ شرقًا إلى قلب أوروبا غربًا. وأصبحت أكبر إمبراطورية متصلة عرفها التاريخ. ورغم كل هذه القوة كانت النهاية غامضة.
قلت: كيف مت؟
فضحك. وقال: لو أخبرتك لضاع نصف سحر القصة.
بعضهم قال إنني سقطت من فوق حصاني. وبعضهم قال إنني مت متأثرًا بجراح الحرب. وبعضهم اخترع قصصًا أغرب من الخيال. لكن الحقيقة ضاعت معي.
قلت: والأغرب من موتك أن قبرك لم يجده أحد. هنا اتسعت ابتسامته. وقال: هذا أعظم انتصار حققته بعد الموت. حتى اليوم لا أحد يعرف أين دُفنت. ولا أين يرقد الرجل الذي دوّخ العالم. يقال إن الجنود الذين دفنوني قتلوا كل من مر بهم. ثم قُتلوا هم أيضًا حتى يبقى المكان سرًا. ويقال إن نهرًا حُوّل فوق القبر ليختفي للأبد.
ولا أحد يعلم الحقيقة. وقفت استعدادًا للرحيل. ونظرت إليه للمرة الأخيرة. الرجل الذي بدأ حياته طفلًا جائعًا.
وانتهى سيدًا لأكبر إمبراطورية متصلة في التاريخ. الرجل الذي أحبه قومه. وخافه أعداؤه. وما زال المؤرخون يتجادلون حوله بعد ثمانية قرون. ثم سألته السؤال الأخير: هل أنت بطل أم سفاح؟ ضحك ضحكة طويلة هزتها الرياح. ثم قال: لو اتفق الناس على إجابتها… لما بقي اسمي حيًا حتى اليوم. اختفى الفارس. واختفى الحصان.
وبقيت السهول صامتة. لكنني أدركت شيئًا واحدًا. أن بعض الرجال يموتون مرتين. مرة عندما تتوقف قلوبهم.
ومرة عندما ينساهم الناس. أما جنكيز خان… فيبدو أنه رفض الأمرين معًا. مات سنة 1227م. واختفى قبره. لكن اسمه ما زال يجوب العالم كفرسانه. ويبدو أن الرجل الذي أرعب نصف الكرة الأرضية أراد أن يضحك الضحكة الأخيرة. فبعد ثمانية قرون ما زال الناس يبحثون عن قبره أكثر مما يبحث بعض الأحفاد عن أجدادهم! وربما لو خرج اليوم من قبره المجهول وسألناه: “هل ما زال العالم يذكرك؟” لابتسم وقال: “لو نسيتموني… فلماذا ما زلتم تبحثون عني؟”























































