توجّه قادة أقوى دول العالم، مساء الاثنين، إلى مأدبة عشاء في الهواء الطلق على شاطئ بحيرة جنيف، آملين في الحصول على توضيح بشأن تفاصيل الاتفاق الجديد الذي أبرمه الرئيس دونالد ترامب مع إيران.

بعد ساعتين تقريبا، كانت الشمس قد شارفت على الغروب. وحينها غادر بعض القادة جناح العشاء المصمم خصيصا لهم وهم لا يزالون في حيرة من أمرهم بشأن تفاصيل الاتفاق كما كانوا عند دخولهم، وفق مسؤولين مطلعين على الأمر.

لا تزال بنود الاتفاق معروفة لعدد قليل من الأشخاص، وذلك بعد يوم من توقيع ترامب الإلكتروني عليه. ولم ينشر أي من الطرفين النص المكون من صفحة ونصف والذي تم إضفاء الطابع الرسمي عليه في التوقيع الافتراضي يوم الأحد، مما أدى إلى تصريحات متضاربة أحيانًا من واشنطن وطهران. حتى أن مسؤولين داخل حكومة ترامب قدموا تفسيرات مختلفة بعض الشيء لكيفية عمل الخطة.

يبقى أن نرى ما إذا كانت أي من هذه الأمور ستتضح بحلول موعد الحضور المتوقع لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، لحفل التوقيع الرسمي في سويسرا الجمعة.

ووفق مسؤول أمريكي رفيع المستوى، سيُنشر نص المذكرة قبل ذلك التاريخ بوقت كاف، مشيرًا إلى أنه ربما يكون يوم أو يومين قبل الكشف الرسمي عن الوثيقة، وذلك بعد “الشفافية”.

لكن بعد ساعات قليلة، قدّم ترامب، الجالس إلى جوار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، موعدا نهائيا مختلفا. قال ترامب: “أريد نشرها. ربما قريبا جدا. ربما أقول بعد يوم الجمعة”.

من المؤكد أن ماكرون وقادة مجموعة السبع الآخرين، المجتمعين في منتجع إيفيان ليه بان الجبلي، يرغبون في الاطلاع على الاتفاق قبل ذلك. ويبدو أنهم، أو أي شخص آخر خارج الأطراف المتفاوضة، لم يقرأوا نصه، على الرغم من تقديمهم تهانيهم الحارة لترامب لمساهمته في إبرامه.

لم يكن من الواضح ما إذا كانت وثيقة الاتفاق قد وُقّعت أم لا، وذلك قبل تعليق عابر من فانس في مقابلة تلفزيونية صباح الاثنين.

قال مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية إن محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، وقّع نيابة عن إيران، وزعم المسؤول نفسه أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي “لا يوقّع على مثل هذه الاتفاقيات”.

سوف تُتيح اجتماعات الثلاثاء في فندق فاخر مُطل على بحيرة جنيف فرصة أخرى للكشف عن تفاصيل. وقد دعا ماكرون حكام مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة للمشاركة في نقاش على مائدة الغداء مع قادة مجموعة السبع.

وبالفعل شارك مسؤولون من تلك الدول، وقطر على وجه الخصوص، بشكلٍ وثيق في عملية التفاوض. وتتوقع الولايات المتحدة من دول الخليج المساهمة في تمويل صندوق إعادة إعمار إيران البالغ 300 مليار دولار.

وُصِف عشاء الاثنين بأنه وجبة تُركّز على “العمل معًا لمواجهة التحديات الدولية الكبرى”.

جلس ترامب بين ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وهما زعيمان انتقدهما ترامب بشدة خلال الأشهر الماضية لعدم تدخّلهما خلال الحرب الإيرانية، وفي بعض الحالات، شكّكا علنًا في قراراته.

وقال مساعدو ترامب قبيل القمة إنهم يتوقعون من الدول الأوروبية أن تُبادر للمساعدة في إزالة الألغام من مضيق هرمز الآن بعد انتهاء الصراع الفعلي، وهو أمر أبدت كل من فرنسا وبريطانيا استعدادهما للقيام به.

لكن في ظل غياب وضوح بشأن بنود الاتفاق، قال بعض المسؤولين الأوروبيين إنه سيكون من الصعب تقديم التزامات وتنفيذها دون معرفة المزيد عن كيفية تناول الاتفاق لمستقبل المضيق.

أثارت السرية المحيطة بتفاصيل الاتفاق القلق، حتى بين بعض حلفاء ترامب المحافظين.

كتب الإعلامي المحافظ مارك ليفين على منصة إكس: “سألتُ لأيام لماذا لا نستطيع نحن الشعب الاطلاع على مذكرة التفاهم؟ ليس من خلال أشخاص يُطلعهم شخص مجهول. بصراحة، لم أرَ شيئًا كهذا من قبل. إذا كانت هذه نتيجة رائعة للسلام، فليتم نشرها”.

وأشاد الرئيس ترامب مرارًا بليفين وبرنامجه الأسبوعي على قناة فوكس نيوز.

كما ظهرت أيضًا فجوات في فهم الجمهور للاتفاق، بسبب عدم وجود نص منشور للجميع.

على سبيل المثال، أعلن ترامب أن مضيق هرمز سيعمل “بشكل دائم بدون رسوم”. لكن الإيرانيين أصرّوا على أنهم سيتحكمون بالمرور وسيفرضون رسومًا إذا لزم الأمر.

فانس الطرف الأمريكي الموقّع على الاتفاقية، قال إنه في حين أن توقعات الولايات المتحدة هو أن المضيق سيكون بدون رسوم، فإن القرار النهائي لن يُتخذ إلا خلال محادثات لاحقة.

قال فانس على قناة “سي إن بي سي”، في أولى مقابلاته التلفزيونية التي يسعى من خلالها إلى الترويج للاتفاقية وشرح بنودها: “هذا ما سنناقشه في هذه المفاوضات الفنية”.

ولا تقتصر المفاوضات الفنية المقبلة على مسألة الرسوم فحسب، بل ستشمل أيضا مصير البرنامج النووي الإيراني: ماذا سيحدث لما يقارب ألف رطل (نحو 453.59 كيلوغرام) من اليورانيوم عالي التخصيب، أو أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وما هي عمليات التفتيش المسموح بها.

يُصرّ مساعدو ترامب على أن إيران لن تحصل على أي دعم مالي حتى تلتزم ببنود الاتفاق. ولكن مع وجود الكثير من المفاوضات المتبقية، ليس من الواضح حتى للمسؤولين الأمريكيين الخطوات التي يجب على طهران اتخاذها لتلبية المطالب الأمريكية.

وقال مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية، الاثنين: “إنّ رفع العقوبات ليس مرتبطًا بسلوك معيّن، بل يرتبط عمومًا بتصرفهم على النحو الملائم”.

ولم يُحدّد كيف ومتى سيتمّ تحديد “السلوك الملائم”. لكنّ مسؤولًا آخر في الإدارة ألمح إلى إمكانية اتخاذ خطوات نحو تقديم دعم اقتصادي سريع نسبيا كإجراءات لبناء الثقة بين الجانبين.

وقال المسؤول: “سنقوم ببعض المبادرات البسيطة في البداية، إذا قدموا هم أيضًا مبادرات تُظهر استعدادهم للوفاء بالتزاماتهم”، مشيرًا إلى رفع العقوبات وتجميد الأصول الإيرانية كـ”مبادرات” محتملة قيد الدراسة.

وستكون العديد من دول الخليج التي تأمل الولايات المتحدة في استثمارها في صندوق إعادة الإعمار ممثلة في محادثات القمة الموسّعة التي ستُعقد، الثلاثاء، في جنيف.

ووصف أحد المسؤولين المبادرة بأنها “حشد الدول الأخرى للقيام بالاستثمارات”.