بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد
ــ لماذا يرى الرجُل – بالرغم من حصوله على قدْر من العِلم والثقافة، واشتغاله ضمْن منظومة العدالة والحقوق البشرية – إن قتْلَ طليقته، التي تزوجت مَرَّة أخرى، أمرٌ يمكن التفكير فيه، بل وتنفيذه بقلب بارد؟ لقد رأى الزوجُ السابق أن قتْلها أفضلُ من حياتها، وهي زوجة لغيره، بالرغم من أنه تزوَّج قبْلها من أخرى!!
ــ ولماذا يرى بعض الرجال الآخَرين – سواء الذين على قدْر من التعليم، أو محدودي الثقافة – أن من حقهم، إذا رفَضت المرأة استكمال خطبتها له، أو إتمام الزواج منه؛ أن من حقِّه معاقبتها بالقتل أحيانًا، أو الضرب والإهانة في أحايين كثيرة، كما تشويه السمعة دائمًا؟
ــ ما المانع أن ترفُض فتاة – في مصر أو العراق أو الأردن أو الجزائر أو أيِّ بلد عربي – الزواج من ابن عمها، أو أيِّ رجُل اختاره لها أهلُها، ولماذا تُرغم على الزواج ممَّن لا تريد؟ هل لهذا الكائن؛ “المرأة” – في الثقافة العربية – حقُّ الاختيار؟ وإذا حاولت الهرب من مصير لا تريده؛ لماذا يحق لهم قتْلها، وادعاء أنهم تخلَّصوا منها تحت ما يُسمى بـ “جرائم الشرف”؟
ــ لماذا تتوالى الصفعات على وجْه فتاة من شاب لا علاقة له بها؟ أليس من حقها أن ترفض أن يسبَّها بأقذر الألفاظ والعبارات، وأن تُعلن رفْضها الإساءة لها ولكرامتها بأيِّ شكل؟


ــ لماذا يرى بعض الرجال أن من حقهم أن يقرروا كل شيء في حياة المرأة، متى تتكلم ومتى تصمت، ماذا ترتدي، تعمل أو لا تعمل، بمن تتزوج، والكثير الذي يمسُّ كيانَها ورغباتِها وإرادتَها هي، لماذا يحق لهم ما يدَّعونه من حق لهم في تأديبها بالإهانة، والضرب، والحبس أحيانا؟
ما أوردتُه في بداية هذا المقال ليستْ حالاتٍ افتراضيةً، أو قديمة؛ بل وقائع تحدُث كل يوم، ونراها على شاشات الهواتف ووسائط التواصل الاجتماعي والمواقع، حتى صارت مسلسلا داميًا عنيفًا، تُعرَض حلقاته بتنويعات مختلفة كل حين.
وهنا أطرح التساؤل معكم: هل نتقدم، هل نسير في الزمن، أم أننا لم نفارق بدائيتنا، ولماذا نظل محلك سر؟
1ــ ((لكل امرأة تريد أن تعرف)) قصة واقعية حدثت منذ زمن ..
أحسب أن السبب الحقيقي – لنُجيب على الأسئلة السابقة – يكمن في لفظ وتجليات (المِلكية)، في شعور الرجُل بملكيته للمرأة، فمنذ أقدم السرديات، ترسَّخ في أفق الرجُل الذهني، في عمقه السحيق، الذي تحوَّل مع الوقت للوعي الجمعي العام، أن المرأة خُلقت من أجْله؛ حيث ردَّدت السرديات القديمة، وغذَّت منذ الأزل – بغض النظر عن مرحلة زمنية صغيرة كانت المرأة فيها هي الآلهة – هذا الشعورَ بالمِلكية، فبمجرد تكرار أن حواء خُلقت من ضِلع آدم، وأنه حين مَلَّ من الحياة في الجنة، خلَقها الرب؛ لتؤنس وحشته، وتقوم بتسليته، ثم الإنجاب له، وخِدمته، ترسَّخ لدى الجميع هذا الادعاء.
2ــ المصيبة الكبرى أن النساء قد صدَّقن!!
لقد صدَّق المجتمع (الرجال والنساء) هذه الأساطيرَ، واستقرت هذه الأوهام في الوعي الجمعي العام، ثم استكملت الهيمنة الذكوريةُ اشتغالاتِها بمنظومة ثقافية مكتملة من المقولات والممارسات والأمثال الشعبية، والأغاني والقصص، لنسْج وحبْك هذه السرديات، وكررتها كثيرًا، ورسَّختها في الأذهان؛ لتأتي بعدها مرحلة استقرارها بالأديان؛ أي بالمقدَّس، وبالطبع كل ما يُلصق بالمقدَّس يستوجب الاتباع؛ فاكتسبت تلك السرديات حصانة، وسمَت لمستوى الحقائق.
ثم استمرت وتوالت منظومة التعتيم على النساء لصالح هيمنة الرجُل، تحت احترازات كثيرة ولأهداف التحكم بها، فمُنعت من التعليم والقراءة والكتابة لفترات طويلة في التاريخ، والمرأة التي حاولت الخروج عن هذه القيود، كانوا يحرقونها، ويقطعون أصابعها، ويصفونها بالساحرة أو المهرطِقة، فبثوا الرعب في قلوب النساء.
كما مُنعت النساء من الاختلاط؛ ليحافظ الرجُل على خصوصية ما يملك، وحُرمت بالطبع من أيِّ عمل مستقل، أو مؤسَّسي، لكن لأن منظومة استخدام واستغلال ما يملك الرجُل كانت قائمة على الدوام في الوعي الذكوري الاحتكاري، تركها تعمل بالزراعة والرعي في نطاقه الخاص، أي أن منْع عمل المرأة لم يكن مبدأ مطْلقًا، لأجْل راحتها مثلا، أو لطبيعتها البيولوجية؛ بل كان انتقائيًّا، ودون أجْر، فهو في نطاق الأُسرة.
ومن المهم للغاية وضْع عِدة خطوط تحت أنه ((دون أجْر))، فليس من الطبيعي – لكي تستمر منظومة الهيمنة – أن تملك المرأة، ولا أن تتحرر اقتصاديًّا.
واستمرت حياكة ونسْج منظومة ((الحَط من الشأن والقيمة)) بصوَر متعددة، أولها ادعاء أن المرأة كائن عاطفي ومتردِّد، ضعيفة البنية، لا تستطيع تولِّي المهام ولا الأمور العظمى، حيث لعن الله قومًا ولَّوا أمورهم لامرأة، ثم قرروا أنه من التنزيل أنها لا تستحق إلا نِصف ما يأخذ الرجُل من الميراث؛ لتظَل ضمْن منظومة التبعية بصوَر مختلفة، فإن لم يكن للأب؛ فَلِلأخ، أو للزوج أو الابن، أو لأخي الزوج، وهكذا، دائرة واسعة من استحقاقات المِلكية. ناهيك عن منْعها من الوصاية على أولادها، حال وفاة الزوج؛ حيث تذهب الوصاية للجد من الأب أو العم.


نعاود القص، من ضمْن المَحاور التي تحويها منظومة ((الحَط من الشأن والقيمة)) إنها كذوب لا تَصدُق، أو عاطفية مشوَّشة، “أي أنه من السهل أن يؤثِّر عليها الآخَرون”؛ ولذا تتساوى شهادة امرأتين برجُل واحد.
*ستقول لي امرأة الآن وهي تقرأ هذه السطور، بالفعل كما تقولين فالكثيرات من النساء هكذا، عاطفيات ومشوَّشات، لا تستطيع التركيز والإتقان والتحري كالرجُل.
لأقول لها: نعم الكثيرات هكذا، أوافقك الرأي. لكن مع مراعاة السياق التاريخي العام ((فهكذا أرادوا لها))، بمعنى أنهم (الهيمنة الذكورية) شكَّلوها على هذا النحو، دجَّنوها على أن تكون هكذا، لكنها بالطبع – وكما يقول العِلم الطبيعي والعلوم الإنسانية – لم تخلَق على هذا النحو.
ما استوجب استمرار وضْع يد الرجال على النساء وتحكُّمهم في مصائرهن، ودعْم وترسيخ العادات والتقاليد الاجتماعية، التي تم توارُثها على مَرِّ قرون قبْل الأديان، ربْط هذه الهيمنة الذكورية السابقة بمنظومة المقدَّس، التي جاءت مع نزول الأديان، ومن خلال بعض النصوص أو بسُلطة النَّص، أي من خلال تفسير بعض الرجال للنصوص الدينية، وهُم في الحقيقة لم يَعدموا ليَّ عنق النصوص، وليَ منطق الأشياء والحقوق البشرية، أقرُّوا منظومة الهيمنة على جنس النساء.
هذه الآلة الجهنمية تضافرت فيها سُلطة المجتمعات مع سُلطة المقدَّس، مع السُّلطات السياسية، التي ترأَّسها في العموم رجال؛ لتُرضخ المرأة، فيتملَّكها اليأس وتروض، منظومة متكاملة من السُّلطات تحالفت لتهيمن على نِصف المجتمع في الغالب، وتشرعن استضعافه والهيمنة عليه، هنا تصوَّرت الكثير من النساء أنه هكذا الوجود، وتلك هي النواميس، هكذا أراد الله، وأرادت العادات والتقاليد والمجتمعات والأنظمة، لكن حاشا لله أن يُقر أيَّ ظُلم لأيٍّ من خلْقه، وللإنسان الذي كرّمه بنوعيه النساء والرجال. ونستكمل في المقال القادم.






















































