بقلم الأستاذة الدكتورة / ريم شطيح
تدفع الشعوب الشرقية اليوم ثمن التطرُّف والإقصاء الذي عانَته من كل الفئات الدينية والاجتماعية والسياسية، وتحصد ما زرعته أنظمة الطوائف والقبائل والأحزاب العنصرية في نفوس الشعوب لعقود طويلة.
وما العقل الشرقي اليوم إلاّ نِتاج هذه الثقافة حتى ما زالت المُجتمعات الشرقية في المربع الأول من فهم أساسيات وحالات بديهية للإنسان قبل البلدان والسياسة، وما زالتْ في طَور البحث عن تعريفات وخلاصات للكثير من المصطلحات؛ فبين الثائر الحقيقي للتغيير الإيجابي والثائر لمصلحة طائفية أو سياسية قد يقف مستقبل بلد وشعب على كفِّ عفريت، وبين مُفكِّر أو كاتب ذي فِكر حُر يُقدّم طروحات لقضايا إنسانية يخدم بها المجتمع، وكاتب لا تتعدّى مساحة الحرية في أفكاره خارج حدود النَّص المطروح؛ يقف الفِكر الإنساني أمام عجلات الماضي والمستقبل.
بدايةً ولكي يكونَ الاسم على مُسمّاه؛ فالثائر والثورة موقف، والفِكر موقف، والكتابة موقف أيضاً. وليس ثمة أقلام ترتدي حجابَ الخوف تقوى على أن ترفع صوتها إلى السماء، لتدّعي صناعة المستقبل؛ حيث يأتي التغيير من المُطالِبين به، وهذا لا يتم بواسطة الأقلام الخانعة أو الخجولة، ودائماً ما يحتل فرسان النضال اﻹنساني مواقعَهم تحت ظلال الموقف المُتَّسِم بالشجاعة والجرأة وقَول كلمة الحق، من دون أن يعبَأوا بمخاطر الاحتماﻻت القائمة، التي قد تودي بهم إلى الموت أحياناً.
من هنا، ولكي تكون التوصيفات على قدر معانيها، فإنّ أي مُفكّر لا يتبنّى فِكراً إنسانياً حقيقياً تَحرُّرياً من كل القيود التي تَحُول دون تطوُّر الإنسان وعلى جميع الأصعِدة؛ هو ليس مُفكّراً حُراً. أي ثائر لا يُوجِّه صَيْحتَه في سبيل التخلُّص من الظلم والعُبودية بكل أشكالها السياسية منها والاجتماعية والدينية؛ هو ليس ثائراً حقيقياً، بل قد يكون مُتمرّداً مُعتدِلاً ليس أكثر. أي كاتب لا تتعدّى طُروحاته المحظور والمقبول، ويكتب بتحفُّظ كبير؛ لن يتركَ أثراً في خاصِرة التاريخ ولن تعدوَ كتاباته أو أفكاره أكثر من خاطرة أدبية مُزَيَّنة.
الجُرأة نصف المعرفة، والكلمة نصفُها الآخر. القلم الخجول قلم لا يُثمِر ولا يستطيع تشكيل حالة حقيقية، أو طرح واقعي يُقدّم من خلاله ما قد يرتقي بالمجتمع للأعلى. فبالجرأة تُولَد الكلمة الحَقّة، ولكن بالمعرفة تنتصر، وكل غاية جميلة بحاجة لوسيلة؛ هذه الوسيلة أدواتها الثقافة والعلم والمعرفة؛ تصقلها التجربة التي تمتحن الإرادات وتتطلب القدرات كي تكون على قدْر مشروعها «الإنساني» بالضَّرورة. فالجرأة هنا بطرح القضايا مُرتبطة بالمعرفة وبالدفاع عن حق إنساني؛ لا أن تتحول الجرأة إلى بهلوانية واستعراضية كلامية وشعارات لا طائل منها، كما عوّدَتْنا البطولات العربية في عنتريات الزعماء وشعارات الأحزاب، ولكن في السلوك على الأرض تتوارى الجرأة وراء ألف حجاب. فابتلَتْ الشعوب غالباً بنصف الحقيقة، وهي أخطر من الكذب، واستُبدِلَتْ أدوات الفِكر الحقيقية بالمُرتَزقة والكُتّاب التّابعين والمُصفِّقين حتى ضاع مفهوم التغيير والثورة من أجل التطوير. لا بدّ أن ترتبط الثورة بالتنوير وبالإصلاح ونقل البلاد لحال أفضل، وهذا يتطلّب العمل على الذات من الثائرين قبل الآخَر المختلِف. وكم يحتاج التفكير النقدي والثوري تخطّي الكثير من العقبات منها البشري ومنها ما هو فوق البشري، فتلك محاولات الإصلاح التي بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر، التي حاولت الاجتهاد، لكن عبثاً لأنها بقيَت تحت عَباءة المُجترّ من الفِكر بشقَّيْه اللاّهوتي والإنساني. جهود حقيقية دأبت على المحاولة ولم تزل، ولم يتم التخلُّص من الجهل، كما أسلفتْ مدارس تنوير الحداثة. وبهذا فالثورات قائمة في أي لحظة في مجتمعات كهذه.
من هنا، وعلى الرغم من أنّ الثورة في مكان لا يصحّ أن يكون لها مفهوم مختلف عن الثورة في مكان آخر؛ مع هذا، علينا النظر لحالة كل بلد انطلاقاً من فكرة البحث في مفهوم الثورة فيه، والقيَم المُجتمعية لهذا البلد والوضع السياسي. فالثورة أصلاً كتعريف هي ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون مصطلحاً سياسياً يفضي بالتمرّد على الوضع الراهن والمطالبة بتغييره بالضَّرورة للأفضل، وقد صّنف أرسطو الثورات إلى، إمّا التغيير الكامل والانتقال من دستور لآخر، أو التعديل على دستور موجود.
فالثورات عموماً مرتبطة بالتغيير الجذري أو الجزئي، والتغيير يتطلّب مشروعاً، وعلى الرغم من أن على الثورات أن تتبنّى هذا المشروع أو خطّةً إصلاحيةً؛ إلاّ أنّ الثورات لا تصنع بدائلَ جاهزةً، الثورة تكشف وتهدم الجدران وتهزّ الأرض تحت عروش الحُكّام، ما يُفضي لنتائج تخدم أهداف الثورة الحَقّة والشعب الثائر الذي يكون في حالة عارمة من الغضب. ففي زمن الثورات، يبقى الغضب قائماً وكي يهدأ الشعب ويعود لعقلانيّته يحتاج لزمن قد يَطول أو يقصر تِبعاً للتداعيات السياسية والاجتماعية، وهذا هو قانون الشعوب والتطوُّر. ولكن، الأخطر أن لا يكون الشعب أمام نظام؛ بل أمام منظومة؛ منظومة إقليمية دولية، وأن تكون الأحزاب السياسية والفئات المُعلَنة وغير المُعلَنة شريكةً فيها طائفياً، وموظّفةً سياسياً لدى الكثير من الدول، وفي جهوزية لتسحقَ كُلَّ شيء لإنجاح مشروع طائفي وسحق عملية التغيير وإخماد روح الثورة الحقيقية.
أمّا المعارض الحقيقي في زمن الثورة، فقد يبقى معارضاً لعدة عقود بعدها، لأنّ البلدان بعد الثورات تحتاج سنوات طويلة من الصراع كي تصل لنظام جديد بعقلية حديثة، وقد يحدث هذا على حلقات. في هذا السِّياق، فإنّ معارضَ النظام القديم قد لا يكون مواليا للنظام الجديد، لأنّ النظام الجديد قد لا يستطيع تغيير الكثير في فترة قصيرة، لكن حتى يتم الوصول لأولى مراحل العمل على البنية التحتية للمجتمع تحتاج الشعوب على الأقل ألاّ تُعتَقَل أو تُضطهَد لأجل الكلمة والرأي كبداية. لأنّ الحاجة هنا تكمن للبناء لما بعد جيلين كي تبدأ نتائج التغيير في الظهور.
في المجتمعات الشرقية عموماً والعربية خصوصاً اضمحلّتْ مفاهيم كثيرة بما في ذلك، الحرية والديمقراطية والعِلمانية والثورة الحقيقية، وأصبح كل طرف يُوصّف ويُوظّف هذه المصطلحات لصالح فئته وتِبعاً لأجندة معينة أو لنسبة القمع والعنف المُسيَّس من قِبَل السلطات أو المجموعة التابع لها؛ حتى تشوّهَتْ قيمٌ كثيرة وضاع الشعب في هذه المعمَعة.
وبالتالي، فلا يمكن لتلك المجتمعات أن تنهض إلاّ بثقافة جديدة وعقلية جديدة تتبنّى مفاهيم واضحة لمعنى كلمة ثورة وديمقراطية ودولة عِلمانية، تجمع في كنفِها هذا التنوُّع الثقافي والعِرقي والإثني والمذهبي في دولة المواطَنة والقانون. وأنّ الثورة الحقيقية لا يمكن أن تنفصل عن هذا البناء من التطوير وعن السعي للوصول للفِكر المدَني وشرعنة حقوق الإنسان في ظل نظام عِلماني حقيقي ينشد الحرية ويحفظ حق الجميع.
ريم شطيح
كاتبة وباحثة سورية
Reem Shetayh
المصدر ( القدس العربي )























































