عاجل

أول رد مصري على “تسريبات” إسرائيلية حول نقل مكان مفاوضات غزة
التبادل التجاري بين روسيا والصين يتجاوز 240 مليار دولار للعام الثاني على التوالي
المركزي المصري يفاجئ الأسواق بخفض الفائدة أعلى من المتوقع
دراسة تكسر القواعد.. تناول اللحوم لا يسبب الوفاة بل قد يقي من السرطان
حضور لافت لجورج كلوني على السجادة الحمراء في مهرجان فينيسيا
ترامب يعلن واشنطن خالية من الجريمة وأوباما ينتقد الإجراءات بشدة
# بين حُرية التعبير.. والمسئولية الاجتماعية
الاسطورة سعاد حسني ترقص وتغنّي في بيروت: وقت مستقطع مع الفرح
موقع أمريكي يكشف عن خطبة الشيخة مهرة بنت محمد بن راشد على فنان شهير
بزشكيان: “نحن لا نخشى أي تهديد وسنرد بحزم وقوة رادعة على أي عدوان”
# الخطة القومية … لتطوير الفشل !!!
الفريق كامل الوزير : النقل البحري شهد نقلة نوعية غير مسبوقة
جهود مصرية قطرية لإيجاد حلول لأزمات المنطقة
قطر تعتزم ضخ 7.5 مليار دولار في مصر
وزير الخارجية المصري يتحدث للرسالة العربية عن اتصالات مع روسيا لوقف حرب غزة

الاسطورة سعاد حسني ترقص وتغنّي في بيروت: وقت مستقطع مع الفرح

كتبت / سلوى لطفي

لنتخيّل أنّنا في صيف عام 1972، نستعدّ للذهاب إلى السينما لمشاهدة فيلم “خلي بالك من زوزو” من بطولة سعاد حسني، وإخراج حسن الإمام.

في القاهرة، شبّان بقمصان ملوّنة وسراويل واسعة، وشابات بفساتين زاهية قصيرة، يقفون في طوابير أمام شبابيك التذاكر. البلاد لم تتعافَ من هزيمة 1967، ولم تختبر بعد صدمة حرب 1973. الدولة في عهد أنور السادات، تدعم الفنون والسينما لتصدير سرديّة عن مجتمع منفتح في مواجهة التيارات الفكرية المتشدّدة.

أما في بيروت، فمقاهٍ تعجّ بالمثقفين والفنانين، وصالات سينما ومسارح في أوج نشاطها، فيما جمر الحرب الأهلية المقبلة يتّقد تحت الرماد. وسط هذا المناخ، حطّت زوزو في الصالات وبقيت لأكثر من عام كامل.

في بيروت 2025، أتفقُ مع صديقتي على مشاهدة الفيلم بمناسبة عرضه على شاشة كبيرة في الهواء الطلق، تحت سماء المدينة، ضمن برنامج “في الصيف يغنين ويرقصن” نظّمته صالة “ميتروبوليس” خلال شهر أغسطس/آب.

تقول هانية مروة، مؤسسة ومديرة “ميتروبوليس”: “أحببنا أن نقدّم هذا البرنامج في الصيف، خلال فترة قاسية وأزمة متواصلة. جمهورنا (في متروبوليس) اعتاد على أفلام جادة وملتزمة بقضايا اجتماعية وسياسية، لكننا جميعاً كنّا بحاجة إلى متنفّس، إلى مساحة لنأخذ نفساً”.

أشخاص يتجمعون في باحة سينما متروبوليس في بيروت أمام شاشة سينما في الهواء الطلق لعرض فيلم خلي بالك من زوزو

أفلام قديمة بنسخ مُرمّمة: “انتصار الشباب” (1941/ أحمد بدرخان) بطولة أسمهان، “العيش والملح” (1949/ حسين فوزي) بطولة نعيمة عاكف، “عفريت مراتي” (1968/ فطين عبدالوهاب) بطولة شادية، وصولاً إلى “خلي بالك من زوزو” (1972/ حسن الإمام) بطولة سعاد حسني الذي عرض في 26 الشهر الحالي.

من يتابع البرمجة كاملة، يستطيع أن يرسم خطاً زمنياً يوضح كيف تغيّرت صورة البطلة الأولى في السينما الموسيقية: من مطربة إلى راقصة إلى ممثلة أو نجمة استعراضية، وكيف اختلفت وجوهها وأدوارها باختلاف الحقبة والمدرسة الفنية والظرف الاجتماعي والسياسي.

يبقى لفيلم “خلي بالك من زوزو” مكانة خاصة، إذ شاهده كثيرون مراراً على التلفزيون، ويتمتع بتأثير ثقافي وجماهيري لا يخبو رغم مرور أكثر من نصف قرن على إنتاجه. فمن منّا لا يحفظ أغنيات “يا واد يا تقيل” (كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل) و”خلي بالك من زوزو” (كلمات جاهين وألحان سيد مكاوي)؟

تقول المخرجة اللبنانية جوانا حاجي توما، وهي من أعضاء جمعية “ميتروبوليس”: “صحيح أننا نستطيع مشاهدة هذه الأفلام في منازلنا أو على شاشات الكمبيوتر، لكن وجودنا في فضاء عام نتشارك فيه التجربة هو ما يمنح الأمر قيمة إضافية. التجربة مختلفة تماماً حين نجتمع لمشاهدة هذه الأفلام والاستمتاع بها معاً، وهذا في جوهره هو الدور الحقيقي للسينما: مكان يجمع الناس”.

وبالفعل، فإنّ مشاهدة “خلي بالك من زوزو” للمرّة الأولى على شاشة كبيرة، وسط جمهور متنوع الأعمار والخلفيات، تحوّلت إلى تجربة من نوع آخر.

قرّرنا، صديقتي وأنا، أن نعيش الدور بإتقان: ارتدينا فستانين أبيضين يشبهان ما كانت ترتديه أمهاتنا في صور السبعينيات. بدونا كأننا عدنا بالزمن خمسين عاماً إلى الوراء، ولم يكن ينقصنا إلا شبيه لحسين فهمي بجانب كل واحدة منّا!

الممثل حسين فهمي بقميص أحمر والممثلة سعاد حسني بفستان أبيض يقفان على ناصية قارب بحري في نهر النيل
التعليق على الصورة،حسين فهمي وسعاد حسني في مشهد من الفيلم

نقص حادّ في الفرح

لم نكن قد تجاوزنا الخامسة عشرة حين رحلت سعاد حسني (1943 – 2001) في نهاية مأساوية غامضة، إثر سقوطها من شرفة منزل في لندن.

نحن جيل الألفية، عرفنا سعاد حسني عبر شاشات الفضائيات، ولم نختبر حضورها في ذروة عطائها على الشاشة الكبيرة، لذلك جاء هذا العرض كموعد مع حنين إلى زمن لم نعشه.

يبدأ الفيلم الذي نحفظ تفاصيله كافة تقريباً، بلقطة فوز زوزو في سباق الجري الجامعي، ثم الاستعراض الأول لسعاد على سلالم الكليّة بفستانها الجلدي الأحمر، مروراً بوصلات الرقص البلدي، وصولاً إلى مشاهد شجارها مع تحية كاريوكا في دور الأم العالمة “نعيمة ألماظية”، ومشاغباتها، ولقاءاتها مع سعيد (حسين فهمي).

مع كل مشهد، كنت أتبادل مع صديقتي نظرات الدهشة ممّا جئنا نعرفه وننتظره مسبقاً: أيعقل أن تكون سعاد بهذا الجمال؟ أي خفّة ظلّ هذه؟ ما هذه الفساتين الرائعة؟ وأي كاريزما وموهبة يصعب تكرارهما؟

منذ مدة طويلة، لم أختبر بهجة الفرجة هذه: سعاد حسني ترقص وتغني وتقفز بفساتينها المبهرة. بقينا مبتسمتين لساعتين تقريباً حتى تعبت عضلات خدودنا.

ولكن، بموازاة تلك البهجة، يترسّخ شعور موازٍ بالنقص. ربما لأننا نفتقد الفرحة البسيطة بمشاهدة عمل فني يلمسنا ويسلينا ويضحكنا، في زمن بات الترفيه بمعظمه استعراضات للثراء والمكانة الاجتماعية على مواقع التواصل.

كانت الكاتبة اللبنانية كلوديا مارشليان من بين الحضور، وتحدّثت في تقديمها لعرض الفيلم، عن ريادته في طرح قضايا اجتماعية بجرأة نفتقدها اليوم. سألتُها عمّا ينقصنا لنصنع سينما شبيهة في وقتنا الراهن، فقالت إننا قد نكون أكثر تقدماً تقنياً، لكن ما نفتقده “هو الفرح. نحن نفتقد الفرح الذي كان يملأ تلك الأفلام، فرح الناس وفرح الحياة نفسها. وما نحتاجه لنخلق فناً مماثلاً هو أن نستعيد هذا الفرح”.

جمهور من المشاهدين ينتظرون عند مدخل صالة سينما متروبوليس لمشاهدة عرض الفيلم

صدر الصورة،Charly Hokayem

التعليق على الصورة،شارك العشرات بعروض في الهواء الطلق استضافتها سينما “متروبوليس” في بيروت طوال شهر أغسطس/آب

رائدة الاستعراض

في تقديمه للعرض، أشار أنطوان خليفة، منظّم البرمجة وعضو جمعية “متروبوليس”، إلى الدور المحوري لسعاد حسني في تمهيد الطريق أمام نجمات الاستعراض لاحقاً مثل نيللي وشيريهان.

في تجربة سعاد حسني تلاقت عناصر عدّة جعلت منها حلقة وصل محورية في تاريخ السينما المصرية: موهبتها التمثيلية الفريدة، حضورها الكاريزمي، ووعيها بزمنها. غير أنّها لم تقف وحدها، بل بنت نجاحها على تراكم تجارب فنانات استعراضيات رائدات مثل نعيمة عاكف وهند رستم وشويكار، وأكملته بتعاونها مع أعمدة المسرح الغنائي والموسيقي كصلاح جاهين وسيد مكاوي، وفتحت الباب لمن جئن بعدها.

عند عرض “خلّي بالك من زوزو”، كانت سعاد في ذروة نجوميتها؛ إذ حقّق الفيلم نجاحاً غير مسبوق بطرحه قضايا شائكة: الصدام بين التيارات الليبرالية والمحافظة في الشارع المصري والصراع الطبقي وصعود النساء على سُلّم التعليم والعمل.

وعلى مستوى الصنعة، كرّس العمل سعاد حسني كفنانة طوّرت من إرث السينما الغنائية الراقصة، بممارسة فنية متعدّدة الإمكانات والخبرات، اغتنمت كل فرصة لتبني على إرث راسخ وتعيد قولبته على طريقتها الخاصة.

من خلال شخصية زوزو، حطّمت سعاد حسني القوالب النمطية للبطلة السينمائية: تلك الفتاة الرقيقة المسكينة التي تهيم بحبّ بطل وسيم وحزين. ظهرت بدلاً من ذلك كفتاة عصرية، رياضية، تواظب على دراستها، تخرج مع أصدقائها، تواجه واقعها بشجاعة، تساعد والدتها في كسب رزقها، ولا تخجل من أصولها.

وربما نشعر اليوم بالنقص لأن الشاشة نادراً ما تقدّم شخصيات نسائية تشبه “ابنة البلد” أو “واحدة من الناس”. سعاد لم تكتفِ بأن تكون “نجمة ملصق جميلة”، بل تجاوزت تلك الصورة لتخلق حضوراً كثيفاً وغنيّاً، وظلّت قادرة على حفظ تلك المعادلة النادرة: فن جماهيري شعبي يلامس كل الناس، من دون أن يسقط في الابتذال.

تتحدث هانية مروة عن أهمية حفظ التراث السينمائي وترميمه بوصفه جزءاً من الذاكرة الجماعية، لكنها في الوقت نفسه تنظر بعين نقدية إلى الميل النوستالجي لمنح حقبات مضت محاسن قد تكون أكبر مما كانت عليه بالفعل.

برأيها، فإن قيمة أفلام مثل “خلي بالك من زوزو” تكمن في صمودها أمام امتحان الزمن: “السينما الجماهيرية اليوم تحوّلت إلى سينما تجارية هدفها الأول الربح، أما في تلك الفترة فكانت السينما شعبية تصل إلى الجميع، ومع ذلك تحافظ على مستواها الفني وتحقق أرباحاً، وهذا ما نفتقده”.

حين غادرنا العرض كنت أفكّر بأدوار سعاد حسني الأخيرة، من ظهورها التلفزيوني في “هو وهي” (1985) إلى فيلم “الراعي والنساء” (1991)، وكيف تغيّرت شروط الصناعة السينمائية آنذاك بحيث لم تعد “فتاة الشاشة الأولى”، وربما لم تكتب لها أدوار تليق بموهبتها وتاريخها.

مع ابتعادها التدريجي عن الأضواء، خلّفت سعاد حسني لدى الجمهور عطشاً لرائدات من طراز خاص، كنّ قادرات على صناعة الفرح، حتى عبر تجسيد شخصيات تراجيدية من رحم واقعنا المحاصر بالهزائم.

تخيّلتها معنا في صالة “متروبوليس”، جالسة بيننا، تشاركنا الاحتفال بزمن صنعته هي، ولا يزال يُلهمنا حتى اليوم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net