كتب / رضا اللبان
صفاء الحب فى حياة العابدة رابعة العدوية رضى الله عنها وارضاها
رابعة العدوية التي عاشت في القرن الثاني الهجري،
و كانت تسمى
«أم الخير»،
واشتهرت بالصلاح والورع والعبادة.
إنها العابدة الصالحة ، التى عرفت الطريق إلى الله ، واستدلت عليه ، وامسكت بحبله المتين ، وتمسكت بعروته الوثقى ،
فهي رابعة العدوية بنت إسماعيل العدوي، ولدت في مدينة البصرة، ويرجح مولدها حوالي عام 100هـ، 717م،
من أب عابد فقير، وهي ابنته الرابعة وهذا يفسر سبب تسميتها «رابعة».
وروى أبوها:
أنه رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول له:
{ لا تحزن؛ فهذه الوليدة سيدة جليلة }،
ثم جاء من بعدها الرزق الوافر، ثم ما لبث أن توفي والدها وهي طفلة دون العاشرة ولم تلبث الأم أن لحقت به، لتجد رابعة وأخواتها أنفسهن بلا عائل يُعينهن على الفقر والجوع والهزال، فذاقت رابعة مرارة اليتم الكامل دون أن يترك والداها من أسباب العيش لهن سوى قارب ينقل الناس بدراهم معدودة في أحد أنهار البصرة».
وبعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها البيت بعد أن دب البصرة جفاف وقحط أو وباء وصل إلى حد المجاعة ثم فرق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة ،
وأدت المجاعة إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق، فخطفت رابعة من قبل أحد اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة من آل عتيق البصرية، وأذاقها التاجر سوء العذاب».
و عنيت «رابعة» منذ صغرها بحفظ القرآن الكريم وترتيله، وكلما حفظت سورة من السور أخذت تكررها وتعيدها في ترتيل وتجويد مع الخشوع وتدفق الدموع حتى حفظت القرآن في سن صغير وتدبَّرت آياته وقرأت الحديث تدارسته وحافظت على الصلاة وهي في عمر الزهور، وكان التاجر الذي اشتراها يحمَّلها فوق طاقتها كطفلة لم تشب عن الطوق بعد، لكنها كانت تختلي بنفسها في الليل لتستريح من عناء النهار وعذابه، ولم تكن راحتها في النوم أو الطعام، بل كانت في الصلاة والمناجاة.
وذات ليلة استيقظ سيدها من نومه فسمع صلاتها ومناجاتها فنظر من خلال الباب
«فرأى رابعة ساجدة تصلى وتقول:
إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق من عبادك.
وخلال دعائها وصلاتها شاهد قنديلاً فوق رأسها يحلق، وهو بسلسلة غير معلق، وله ضياء يملأ البيت كله، فلما أبصر هذا النور العجيب فزع، وظل ساهدًا مفكرًا حتى طلع النهار، هنا دعا رابعة وقال:
أي رابعة وهبتك الحرية، فإن شئت بقيت ونحن جميعًا في خدمتك، وإن شئت رحلت أنى رغبت، فما كان منها إلا أن ودعته وارتحلت».
فقد اشتاقت نفسها للخلوة بالله وحده، والتفكر فيه سبحانه ، والتأمل فى هذا الكون ،
و أقامت أول أمرها بالصحراء بعد تحررها من الأسر، فقد تخلص قلبها من الدنيا وكل ما فيها، وخلص من الرغبات والشهوات والخوف والرجاء، لم يبق فيه إلا شيء واحد الرضاء عن الله والعمل على الوصول إلى رضاء الله عنها،
ثم انتقلت إلى البصرة حيث جمعت حولها كثيرًا من المريدين والأصحاب الذين وفدوا عليها لحضور مجلسها، وذكرها لله والاستماع إلى أقوالها، وكان من بينهم مالك بن دينار، والزاهد رباح القيسى، والمحدث سفيان الثورى، والمتصوف شفيق البلخي».
ورفضت كل من تقدم لزواجها، فليس في قلبها مكان لغير الله، وليس لديها وقت تشغله في غير حب الله».
فدفعها حب قوي خالص لله تعالى، و كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده، وكانت طليعتهم أيضًا في جعل الحب مصدرًا للإلهام والكشف».
وكان لسان حلها يقول :
عرَفْتُ الهَوى مُذ عَرَفْتُ هواك
وأغْلَقْتُ قَلْبى عَلىٰ مَنْ عَاداكْ
وقُمْتُ اُناجِيـكَ يا مَن تـَرىٰ
خَفايا القُلُوبِ ولَسْنا نراك
أحِبُكَ حُبَيْنِ حُبَ الهَـوى
وحُبْــاً لأنَكَ أهْـل لـِذَاك
فأما الذى هُوَ حُبُ الهَوىٰ
فَشُغْلِى بذِكْرِكَ عَمَنْ سـِواكْ
وامّـا الذى أنْتَ أهلٌ لَهُ
فَلَسْتُ أرىٰ الكَوْنِ حَتىٰ أراكْ
فلا الحَمْدُ فى ذا ولا ذاكَ لي
ولكنْ لكَ الحَمْدُ فِى ذا وذاك
وقد سئلت السيدة رابعة العدوية عن المحبة فقالت:
ليس للمحب وحبيبه بَيْنٌ ،
وإنما هو نطقُ عن شوق،
ووصف عن ذوق، فمن ذاق عرف،
ومن وصف فما اتصف،
كيف تصف شيئاً أنت في حضرته غائب، وبوجوده دائب، وشهوده ذاهب، وبوحك منه سكران، وبفراغك له ملآن، وبسرورك له ولهان!
فالهيبة تخرس اللسان عن الإخبار،
والحيرة توقف الجبان عن الإظهار،
والغيرة تحجب الأبصار عن الأغيار،
والدهشة تَعْقِل العقول عن الإقرار،
فما ثم إلا دهشة دائمة،
وحيرة لازمة ،وقلوب هائمة وأسرار كاتمة، وأجساد من السُقم، والمحبة بدولتها الصارمة وفي القلوب حاكمة.
وكانت تقول:
يا رب لو كنت أعبدك مخافة النار فأحرقني بها ولو كنت أطمع في الجنة فاحرمني منها وإن كنت لاأعبدك إلا لوجهك فلا تحرمني مشاهدته
وقال أيضآ :
لقد عذلونى أن أهيم بحبه
ولو انهم ذاقوا الهوى عذرونى.
هذه الهائمة فى حب الخالق ،المتجردة عن علائق الخلائق،
دخل بيتها يومآ أحد اللصوص يريد ان يسرق شىء من بيتها فلم يجد شيآ ، فهم بالخروج ، فرأته فنظرت إليه وقالت :
إن كنت من العقلاء ، فلا تخرج بلا شىء، فقال لها :
دخلت البيت وفتشت فى جميع جوانبه ، فلم اجد شيآ اسرقه ! قالت :
يامسكين ! تعالى، وادخل هذا المخدع، وتوضأ ، وصل ركعتين ، ففعل الرجل : ما أمرأته .
فرفعت رأسها إلى السماء وقالت :
إلهى
هذا وقف ببابى ودخل بيتى ، فلم يجد عندى شيآ ، وقد أوقفته الآن ببابك .
فلا تحرمه من فضلك وثوابك ، فستلذ العبد العبادة حتى الصباح ، فدخلت عليه فسمعته يقول :
إذا ما قال لى ربى أما استحييت تعصينى
وتخفى الذنب عن خلقى
وبالعصيان تأتينى
فما قولى له لما
يعاتبنى ويقصينى
وفى الصباح سألته: فقالت له كيف كانت ليلتك ؟فقال بخير…..
وقفت بين يدي مولاي بذلُّي وفقري فجبر كسري وقبل عذري وغفر لي الذنوب وبلغني المطلوب ……..
ثم خرج هائماً على وجهه فرفعت رابعة طرفها إلى السماء وقالت:
سيدي ومولاي هذا وقف ببابك ساعة فقبلته وأنا منذ عرفتك بين يديك أترى قبلتني ؟ فنوديت في سرّها :
( يا رابعة من أجلك قبلناه وبسببك قربناه ).
ومن تواضعها أن جاءها رجل يومًا يطلب منها الدعاء فقالت:
(من أنا يرحمك الله؟ أطع ربك وادعه فإنه يجيب دعوة المضطر))،
وكانت تبكي في سجودها حتى يبتل موضع رأسها، ويقال عرض عليها الزواج من صاحب غنى وجاه واسع فكتبت له:
(أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، وإن الرغبة فيها تورث الهم والحزن..
فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين والسلام)،
وما أكثر زهد (رابعة) في حب الثناء والمديح من الناس مخافة مداخل الشيطان والرياء والسمعة والتصنع للخلق.
وكانت تقول:
(ما ظهر من أعمالي لا أعدّه شيئًا)،
وصاياها:
ومن وصاياها
(اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم)».
زهدها:
ولم يكن لديها غير حصير تستر به بيتها، وإناء من فخار تشرب منه، وبساط من اللِّبد تجعله فراشها ومصلاها، ومشجب من قصب طوله من الأرض قدر ذراعين علَّقت عليه أكفانها تتأملها باكية متضرعة،
كفنها:
« وكان كفنها لم يزل عندها، ويجدون محل سجودها كالماء المستنقع من كثرة البكاء».
وفاتها:
توفيت رابعة عن عمر يناهز الثمانين عامًا، وكان ذلك سنة 185هـ.























































