عاجل

بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة بـ”إعلان” أنباء عن مشاركتها في حملة إعلانية ضخمة لإحدى شركات الاتصالات المصرية
الإعلام العبري يحذر : مصر تملك سلاحا أخطر من الدبابات والطائرات.
قبل الصدام المحتدم.. كم عدد أهداف محمد صلاح في شباك مانشستر سيتي؟
هجوم إسرائيلي على “الأهرام” المصرية بسبب اتهامات خطيرة
مصر توقع أكبر صفقة منذ بدء الاتصالات في البلاد
عواقب عدم علاج سيلان الأنف !!
# ملفات إبستين: نخبة فاسدة تحكم العالم بلا مساءلة!
المنوفيه تتصدر المرتبه الاولي في ارتفاع نسب العنف والجريمه ….؟؟!
“قدرات إيرانية مرعبة بإطلاق صواريخ من تحت البحر”..
الحكومة المصرية تتدخل لحل أزمة طاحنة قبل حلول رمضان
الأهلي المصري يتعادل مع شبيبة القبائل ويتأهل رسميا إلى ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا
الرئيس الجزائري: علاقاتنا جيدة مع كل الدول العربية باستثناء دويلة واحدة والسيسي أخ لي
# الشعوب بين الثورات و الحقوق
مظاهرات حاشدة في تل أبيب ضد حكومة نتنياهو
نجيب ساويرس يثير مخاوف المصريين بشأن أزمة حقيقية تزداد انتشارا

# ملفات إبستين: نخبة فاسدة تحكم العالم بلا مساءلة!

بقلم د / حسن اللبان

من ملفات جيفري إبستين، تتكشف كل يوم فضائح يندى لها الجبين، ويخيّل لك وكأنك أمام فيلم هوليوودي اجترحته مخيلة مخرج خبير في أفلام الإثارة والعبث. ليس العبث ناجمًا عن انكشاف هذه الفضائح فقط، بل أيضًا في أن رئيس الإمبراطورية الأميركية المتورط في ملفات إبستين يواصل عمله دون اكتراث، أو يتظاهر بعدم الاكتراث. بل هناك من يذهب إلى القول إن أحد أسباب التحضير لشن عدوان جديد على إيران هو صرف الأنظار عن هذه الفضيحة، التي ليس بالإمكان الإفلات من عواقبها بعد أن حررت وزارة العدل الأميركية هذه الملفات بعد ضغوط كبيرة وفترة زمنية طويلة.

ليس هذا الملف جديدًا؛ فقد حُكم على المتورط، جيفري إبستين، بالفضائح الجنسية قبل سنوات، وانتحر في السجن عام 2019. ولكن الجديد الأكثر إثارة للذهول والصدمة هو انفضاح تورط نخب سياسية ومالية وفنية كبيرة في هذه الجرائم، وأيضًا انكشاف ارتباط المنتحر بالموساد الإسرائيلي، وما يضيفه ذلك إلى الجدل الصاخب داخل أميركا بخصوص هيمنة الصهيونية على التوجهات في السياسة الخارجية الأميركية، وخاصة تجاه قضية فلسطين والجرائم المروعة المرتكبة بحقها.

القضية لا تتعلق بشخص منحرف له شبكة إجرامية معزولة، بل بنظام كامل وفّر الحماية والتواطؤ والصمت لأحد أكثر نماذج الاستغلال فظاعة، فقط لأن الفاعل/المجرم كان جزءًا من النخبة. كان ثريًا، نافذًا، ومتصلاً بدوائر السلطة والمال.

لم تكن عودة ملفات جيفري إبستين إلى الواجهة حدثًا إعلاميًا عابرًا، ولا مجرد فضيحة أخلاقية متأخرة، بل قضية تفضح البنية العميقة التي يُحكم بها العالم اليوم. فما انكشف لم يكن فقط حجم الجرائم، بل شبكة الحماية التي أحاطت بها: صمت المؤسسات، تواطؤ النخب، وتعليق القانون كلما اقترب من مراكز القوة. هنا، لا نتحدث عن انحراف فردي، بل عن نظام كامل يشعر أصحابه بأنهم فوق الأخلاق وفوق العقاب.

قضية إبستين ليست قضية أخلاق جنسية فحسب، بل قضية سياسية بامتياز؛ سُخّر الجنس واستغلال القاصرات لأهداف سياسية وتعزيز النفوذ. إنها تكشف نخبة عالمية ترى نفسها متفوقة، وتتعامل مع القانون بوصفه أداة لإدارة الآخرين لا قيدًا عليها. نخبة تعرف كيف تستخدم المال والسياسة والاستخبارات والإعلام، حيث تُدار الجرائم لا بوصفها أخطاء، بل بوصفها وظائف داخل منظومة القوة.

الأخطر في هذه القضية ليس ما جرى، بل ما قُبل به. فإذا كان النظام العالمي قادرًا على التعايش مع استغلال القاصرات حين يكون الجاني جزءًا من النخبة، فإن السؤال المنطقي يصبح: كيف سيتعامل هذا النظام مع شعوب كاملة تُصنَّف خارج دائرة الإنسان الكامل؟ من هنا، لا يكون الانتقال من إبستين إلى غزة قفزة شعبوية، أو إلى أي دولة غير غربية، بل انتقالًا منطقيًا داخل المنظومة الأخلاقية ذاتها.

لطالما قدّمت الأنظمة الغربية نفسها بوصفها حارسة الديمقراطية الليبرالية: فصل بين السلطات، استقلال القضاء، حرية الإعلام، وحقوق الإنسان. وحتى لا نذهب بعيدًا في الإدانة المطلقة للديمقراطية الليبرالية، التي شكلت قفزة في التطور السياسي وإدارة المجتمعات والعلاقات الدولية، إلا أن ما تكشفه العقود الأخيرة هو تفكك هذا البناء من الداخل. لم تُلغَ هذه المبادئ رسميًا، بل جرى تفريغها من مضمونها وتحويلها إلى شعارات.

مع مرور الزمن وتآكل الضوابط، وتحلل النخب، تحول الفصل بين السلطات إلى توزيع أدوار داخل النخبة نفسها؛ القضاء يستقل حين لا تمس القضايا جوهر السلطة؛ الإعلام لم يعد سلطة رقابية، بل شريكًا في إنتاج الرواية الرسمية؛ والبرلمانات غالبًا ما تُستدعى لتجميل قرارات اتُّخذت مسبقًا باسم الأمن القومي أو المصلحة العليا.

في هذا السياق، تصبح قضية إبستين نموذجًا لتحول الليبرالية من نظام حقوق إلى نظام حصانات. القانون لا يُطبق بالتساوي، بل يُدار وفق ميزان القوة. وما يُمنح حصانة في المركز، يُمنح قدرة مطلقة على العنف في الأطراف. والحقيقة أن ما صدر بعد الحرب العالمية من منظومة قيم وضوابط لم يكن مصدره الآلام التي تمخضت عنها الحرب العالمية الثانية فقط، بل بالأساس كان انعكاسًا لميزان القوى الذي ساد آنذاك، ولهذا طُبّق القانون وفقًا لميزان القوى، ورأينا شاهدًا من أهله، مارك كارني، رئيس حكومة كندا، في مؤتمر دافوس، يفضح الكذبة التي تغطي النظام العالمي المتشكل منذ الحرب العالمية الثانية.

حصانة المركز والإبادة في الأطراف

المنطق نفسه يحكم الموقف الغربي من غزة. فالأنظمة التي فشلت – أو رفضت – محاسبة نخبة إجرامية داخل مجتمعاتها هي نفسها التي تعطل القانون الدولي، وتفرغ مفاهيم الإبادة وجرائم الحرب من معناها حين تكون إسرائيل هي الجاني.

غزة ليست مأساة إنسانية منفصلة عن السياق، بل نتيجة طبيعية لنظام عالمي هرمي، تُقسم فيه البشرية إلى طبقات. في هذا النظام، تُعد حياة الغربي أو الحليف حياة كاملة القيمة، فيما يُنظر إلى حياة الفلسطيني بوصفها قابلة للإدارة أو التضحية أو المحو اللغوي والسياسي.

هنا، لا يكون الصمت الغربي فشلًا أخلاقيًا، بل وظيفة سياسية. فالإقرار بإنسانية الفلسطيني الكاملة يهدد الأساس الذي تقوم عليه المنظومة الاستعمارية، ويعيد فتح ملفات التاريخ: العبودية، والإبادة، ونهب الشعوب باسم التقدم.

إذا في فلسطين، يصل هذا الانحدار إلى ذروته. فإسرائيل ليست مجرد دولة حليفة، بل مشروع كولونيالي إبادي يقوم على التفوق العرقي، ونزع الإنسانية، ونظام قانوني مزدوج – أي أبارتهايد مكتمل – ومع ذلك تُصنف باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.

هذا التناقض ليس خطأ في الوصف، بل تعبير عن حقيقة أعمق: الليبرالية الغربية لم تكن يومًا كونية. لقد تعايشت تاريخيًا مع الاستعمار، والإبادة، والفصل العنصري، لأنها بُنيت على فصل بين من يُعترف بإنسانيته ومن يُدار كموضوع للسيطرة.

الفلسطيني، في هذا التصنيف، ليس ذاتًا سياسية كاملة، بل مشكلة أمنية أو خطرًا ديمغرافيًا أو عقبة حضارية. ومن هنا، يصبح قتله وتجويعه وتدمير حياته أفعالًا يمكن تبريرها أخلاقيًا داخل خطاب يدّعي الدفاع عن القيم.

إدارة القذارة الأخلاقية

في هذا الإطار، تبرز الاتهامات والتقارير التي تحدّثت عن علاقات جيفري إبستين بشبكات استخباراتية، من بينها الموساد. لا بوصفها تفصيلًا فضائحيًا، بل كجزء من منطق أوسع تُدار فيه الأعمال القذرة خارج الضوء. فالاستخبارات، تاريخيًا، وكما تكشف وثائق كثيرة، لا تكتفي بجمع المعلومات، بل تدير شبكات ابتزاز ونفوذ تحمي النخب وتربطها بمشاريع سياسية كبرى.

إن النظام الذي يقبل بانتهاك الأجساد في الخفاء، هو نفسه الذي يقبل بالإبادة في العلن. الفرق فقط في مستوى الرؤية وحجم الضحايا.

فرصة أخرى للشعوب في لحظة سقوط الأقنعة

هذا الانكشاف، على فظاعته، لا يحمل فقط دلالة الانحدار، بل يفتح نافذة تاريخية نادرة أمام القوى الثورية والديمقراطية وحركات الشعوب في العالم. فحين تسقط الأقنعة، وتنكشف النخب الحاكمة بوصفها طبقات متشابكة من المال والشهرة والسلطة، تفقد قدرتها على الادعاء الأخلاقي الذي طالما شكّل مصدر قوتها الرمزية. إن تآكل شرعية هذه النخب – أخلاقيًا وسياسيًا – يخلق فراغًا لا يُملأ إلا بصعود بدائل جذرية تعيد تعريف العدالة والحرية والكرامة الإنسانية خارج منطق الامتياز والاستثناء.

قد يقول قائل إن هذه النخب لم تعد تكترث بالأخلاق والضوابط. هذا صحيح، ولكن الأهم هو دور المعارضات والشعوب، ليس فقط شعوب العالم، بل شعوب العالم العربي، التي دائمًا شجبت ارتباط قياداتها بتلك النخب الإمبريالية العنصرية، في النضال لقلب الطاولة على هذه النخب.

نعم، إن هذه اللحظة توفر فرصة أخرى، في جهدها المستمر، لإعادة بناء خطاب تحرري عالمي، لا يستجدي اعتراف النظام القائم، بل يواجهه في جوهره: كنظام يقوم على اللامساواة البنيوية ونهب الشعوب، وإدارة العنف عبر مؤسسات “قانونية”. الربط بين إبستين وغزة، بين فساد النخب في المركز والإبادة في الأطراف، يمكّن حركات الشعوب من توحيد ساحات النضال: من مقاومة الاستعمار والعنصرية، إلى تفكيك سلطة المال المعولم، إلى استعادة السياسة من قبضة الأوليغارشيات.

في هذا الأفق، لا تعود فلسطين قضية تضامن أخلاقي فحسب، بل رافعة سياسية كونية، تكشف طبيعة النظام العالمي وتمنح نضالات الشعوب لغة مشتركة لمواجهته. فالصراع لم يعد بين دول أو هويات، بل بين إنسانية تسعى للتحرر، ونخبة فاسدة تحكم العالم بثقة الإفلات من العقاب. وهذه الثقة، حين تُكسر، لا تسقط وحدها، بل تفتح الطريق أمام عالم آخر – عالم تُنتزع فيه الكرامة من أيدي المتفوقين، وتُعاد إلى أصحابها الشرعيين: الشعوب.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net