كتب د / حسن اللبان
منذ أكثر من واحد وعشرين شهراً، يشهد العالم على واحدة من أكثر الجرائم فداحة في تاريخ البشرية المعاصر، جريمة تُرتكب على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، ضد شعب أعزل يُعاقب لمجرد تمسّكه بحقه في الوجود. إنها ليست مجرد حرب أو سلسلة من الانتهاكات المعزولة، بل سياسة منهجية متكاملة ترتقي إلى جريمة إبادة جماعية تستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم ومحو وجودهم الوطني.
في هذا السياق، يشكّل تقرير “أصوات من الإبادة الجماعية” الصادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في 28 أغسطس/آب 2025 وثيقة مرجعية بالغة الأهمية، إذ يقدّم أدلة دامغة على أن الانتهاكات الإسرائيلية المرتكبة في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا تمثّل وقائع متفرّقة من العنف، بل ترتقي في مجموعها إلى جريمة إبادة جماعية وفق أحكام القانون الدولي.
التقرير لا يكتفي برصد الجرائم في بُعدها الإنساني والحقوقي، بل يضعها ضمن سياقها التاريخي الممتد لأكثر من خمسة وسبعين عاماً من الاستعمار الاستيطاني، حيث يشكّل ما يجري اليوم استمراراً لسياسة تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني، ومصادرة حقه غير القابل للتصرّف في تقرير المصير.
انطلاقاً من قاعدة واسعة من الشهادات المباشرة والبيانات الموثوقة، يوثّق التقرير طبيعة الهجمات التي استهدفت المدنيين الفلسطينيين، ما في ذلك القصف واسع النطاق للأحياء السكنية والمرافق الحيوية، والقتل الممنهج، والتدمير، والتهجير، والتجويع القسري، وكلها ممارسات تتطابق مع الأفعال المحظورة بموجب المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948. والأهم أن هذه الجرائم لم تقع عرضاً، بل صدرت في إطار نية معلنة عبّر عنها القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون في تصريحات رسمية تؤكد القصد إلى تدمير جماعة بعينها.
إن أهمية هذا التقرير لا تكمن فقط في حجم التوثيق القانوني الذي يستند إلى شهادات أكثر من 1200 ضحية وناجٍ، بل في أنه يفضح بوضوح البنية السياسية والأيديولوجية التي تسعى إلى تحويل قطاع غزة إلى مسرح لإبادة جماعية مكتملة الأركان.
غزة بين القتل والجوع: قراءة في تقرير «أصوات من الإبادة الجماعية»
يقدّم تقرير «أصوات من الإبادة الجماعية» الصادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وثيقة دامغة على أن ما يجري في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا يشبه أي فصل آخر في تاريخ المأساة الفلسطينية. التقرير يستند إلى قاعدة صلبة من الأدلة، جُمعت عبر أكثر من 1200 شهادة مباشرة من الضحايا والناجين، مدعومة ببيانات مفتوحة المصدر، وتقارير أممية ودولية، ومواد صحفية وإعلامية، ليبني صورة كاملة عن جريمة مستمرة لا تترك مجالاً للمقارنة حتى مع أشد محطات التاريخ الفلسطيني سواداً.


فلا نكبة 1948، ولا حرب 1956، ولا هزيمة 1967، ولا جولات العدوان المتكررة على غزة خلال العقدين الماضيين، ارتقت إلى حجم الكارثة التي يصفها التقرير: إبادة جماعية مكتملة الأركان، استُخدمت فيها كل أدوات الحرب التقليدية وغير التقليدية، وأُضيف إليها سلاح التجويع الممنهج.
خلال أشهر قليلة، تحوّل القطاع إلى ما يشبه «جحيماً على الأرض». حتى مايو/أيار 2023 وحده، قُتل أو فُقد ما لا يقل عن 63 ألف فلسطيني – بينهم 18 ألف طفل، وأكثر من 12 ألف امرأة – فيما أُصيب أكثر من 123 ألفاً.
وهي حصيلة مروّعة، لكن التقرير يوضح أنها لا تعبّر عن الحجم الكامل للجريمة. فإلى جانب ما وثّقه ميدانياً، تشير تقارير طبية ودراسات بحثية مستقلة إلى أن الأعداد الحقيقية للضحايا أكبر بكثير، وأن ما أُعلن لا يغطي سوى جزء ما جرى. فما زالت آلاف الجثث مطمورة تحت الأنقاض وفي المقابر الجماعية، وما زال الاحتلال الإسرائيلي يفتك يومياً بأجساد الفلسطينيين وأرواحهم، موسّعاً رقعة الموت والخراب. ومع مرور كل يوم، تتعمّق المأساة أكثر، وتتجذّر معالم الإبادة الجماعية.
ويوضح التقرير كيف أن الإبادة لا تقتلع أرواح الفلسطينيين وأجسادهم فقط، بل كل ما له صلة بوجودهم، فالبنية التحتية التي بُنيت خلال عقود وسط الحصار والحروب جرى محوها بصورة شبه كاملة.
أحياء بأكملها أُزيلت عن الخريطة، المدارس والمستشفيات دُمّرت، شبكات المياه والكهرباء انهارت، وتحولت المستشفيات إلى مقابر جماعية في ظل عجزها عن استيعاب آلاف الجرحى والمرضى.
ومع الحصار الإسرائيلي الخانق، الذي قطع شرايين الغذاء والدواء والوقود، غرقت غزة في مجاعة منهجية، جعلت أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون حياة نزوح متكرر – بعضهم اضطر للنزوح أكثر من 25 مرة – في أماكن مكتظة وغير صالحة للحياة، حيث تنتشر الأمراض المعدية وينعدم الحد الأدنى من مقومات البقاء.
ويشير التقرير إلى أنه منذ بداية العدوان، بادر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومعه مؤسسات فلسطينية ودولية أخرى، إلى إطلاق تحذيرات عاجلة استنادًا إلى مراقبته المباشرة والمستمرة للوقائع الميدانية.
فقد اتضح، منذ البداية، أن طبيعة الهجوم الإسرائيلي – من حيث اتساع نطاقه، وشدة القصف، والاستهداف المنهجي للمدنيين والبنية التحتية الحيوية – لا يمكن فهمها إلا باعتبارها تعبيرًا عن نية مبيتة لتدمير سكان غزة كجماعة محمية بموجب القانون الدولي. هذه النية، كما يوضح التقرير، لم تكن استنتاجًا لاحقًا، بل حقيقة ساطعة رافقت كل ساعة من ساعات الهجوم منذ انطلاقه.
ومع ذلك، ظل المجتمع الدولي في حالة صمت أو تواطؤ، الأمر الذي دفع جنوب أفريقيا إلى رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية أواخر ديسمبر/كانون الأول 2023. وفي قرارها الصادر في يناير/كانون الثاني 2024، اعتبرت المحكمة أن هناك “إمكانية معقولة” لارتكاب إسرائيل جريمة إبادة جماعية، وفرضت ستة تدابير مؤقتة لإلزامها بوقف الجرائم وضمان وصول المساعدات. غير أن إسرائيل تحدّت القرار، واستمرت في سياستها التدميرية، ما في ذلك استخدام التجويع كسلاح حرب.
في مواجهة القانون الدولي، أظهرت إسرائيل تحدياً صارخاً وغير مسبوق. فبعد أن ألزمتها محكمة العدل الدولية في يناير 2024 باتخاذ ستة تدابير مؤقتة عاجلة لحماية سكان غزة، امتنعت دولة الاحتلال عن تنفيذ أيٍّ منها، بل وواصلت تعمّد ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين. استمرت في قصف المنازل فوق رؤوس ساكنيها، وتدمير أحياء بكاملها، ومنعت تدفق المساعدات الغذائية والطبية والاحتياجات الأساسية، مستخدمة التجويع كسلاح حرب معلن.
ورداً على ذلك، قدّم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان في 20 مايو/أيار 2024 طلباً لإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، استناداً إلى مسؤوليتهما عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتُكبت منذ أكتوبر 2023. وبعد ستة أشهر، صدرت بالفعل مذكرتا التوقيف، لكن المسؤولين الإسرائيليين بقيا طليقين، متنقّلين بين عواصم عدة – ما فيها واشنطن – في مشهد يفضح عجز المنظومة الدولية عن فرض العدالة.
وفي 15 يناير/كانون الثاني 2025، اضطرت إسرائيل تحت ضغط الميدان والانتقادات الدولية إلى القبول باتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيّز التنفيذ بعد أربعة أيام. غير أن الاحتلال سرعان ما خرق الاتفاق مراراً عبر استمرار قتل المدنيين، والمماطلة في الانسحاب من غزة، وتعطيل إدخال المواد الأساسية، والإبقاء على حصاره الخانق. ثم جاء شهر رمضان 2025 ليشهد تصعيداً جديداً، حيث فرضت إسرائيل حصاراً كاملاً، وأعادت شنّ هجمات عسكرية واسعة، لتتعمّق الكارثة الإنسانية أكثر، في سياق تصعيد واضح للإبادة الجماعية التي بدأت في أكتوبر 2023 وما زالت مستمرة.