بقلم دكتور / عمار علي حسن
يعد الاغتيال أحد أدوات إسرائيل، تمارسه طوال الوقت، في السلم والحرب على حد سواء، وتريد حين ترتكبه أن تحسبه نصرًا، لكنها تنسى شيئًا مهمًا وهو أن الأمر يختلف عند المقاتلين على خلفية إسلامية، سنية أو شيعية، أو حتى من يضحون من أجل عقيدة أخرى، مثلما فعل المسيحيون المصريون في قرون “الاستشهاد العظيم” ضد الرومان، عنه عند اليهود.
ففي الثقافة الإسلامية يعمل الفرد من أجل الجماعة، وفي المسيحية يرضى الفرد الاستشهاد في سبيل المسيح، أما في الثقافة اليهودية فإن الأغيار (غير اليهود) يجب أن يعملوا جميعًا في خدمة الفرد اليهودي، الذي نجده حريصًا على حياة، أي حياة، ويقاتل من خلف جدار. ويزيد من هذا انغلاق أتباع هذا الدين على أنفسهم، وقلة عددهم على مستوى العالم، واعتقادهم في أنهم “شعب الله المختار”، ومستباح لهم دم الأغيار وأموالهم وأعراضهم، بلا حد، ولا تحسب أو ورع.
وهناك ثلاثة أمور أساسية تتعلق بقدرة التنظيمات ذات الطابع العقائدي سواء كان ديني الطابع أو وفق أيديوجية صارمة أو أعدوا روحيا لهذا مثل الساموراي، على “تعويض القيادة”، وهو أمر بات مستقرًا في المعاجم العسكرية، حيث القدرة الدائمة على ملء الفراغ الذي يترتب على فقدان بعض القيادات.
الأمر الأول هو أن هذه التنظيمات قد اعتادت الموت غير البيولوجي لقادتها، فهؤلاء لا يضمنون البقاء على قيد الحياة حتى يبلغوا من الكبر عتيًا، إذ يمكن أن تخطفهم يد الردى في أي وقت، وأي مكان، وهم ينتظرون هذا بلا جزع.
فمثلا لم تكف إسرائيل عن تعقب القيادات الفلسطينية منذ اغتيال غسان كنفاني في لبنان عام 1972 وحتى قتل العاروري وهنية، مرورًا بكثيرين مثل الشيخ أحمد ياسين وفتحي الشقاقي وأبو علي مصطفى وحسن سلامة وعبد العزيز الرنتيسي، بل إنها قتلت ياسر عرفات نفسه بالسم، كما يؤكد كثيرون، لكن الساحة الفلسطينية تمكنت على الفور من التعويض، وترميم الشروخ. وأظن أن هذا الأمر ينطبق على الساحة الإيرانية، لاسيما في وقت الحرب.
والأمر الثاني هو غزارة التعرض لمهارات اكتساب القيادة لدى الحركات الدينية المسلحة، ففضلًا عن التدريب الذي يتم على هذا فإن أسلوب توزيع المهام القتالية، لاسيما عند الخلايا الثورية والمجموعات الجهادية، يجعل الفرد فيها مجهزًا لاتخاذ القرار، أو إصدار الأمر لنفسه في ميدان القتال، وليس مقيدًا، مثل الجندي في الجيش النظامي، بالأوامر التي تأتيه من قيادته المباشرة، والتي تكون بدورها قد تلقتها من قيادة تعلوها. ربما لهذا رأى كثيرون من خلال تتبع أسلوب قتال الإيرانيين بعد مقتل مرشدهم أن هناك لامركزية في القرار.
أما الأمر الثالث فيرتبط بالتركيبة العمرية للقائمين بالعمل المسلح، حيث يجب أن تكون أغلبيتهم الكاسحة من الشباب القادرين على القتال، ما يمنحهم فرصًا متواصلة لإفراز العناصر المؤهلة للعب أدوار قيادية فيما بعد. وينطبق الأمر نفسه على التنظيمات السياسية التي تقوم على أساس عقائدي أو أيديولوجي.
في ظل هذا كان على التنظيمات الدينية أن ترفد حياتها على الدوام بصنفين من القيادات، الأول هو قيادات عسكرية ميدانية تخرج من رحم التدريب الشاق والكتمان الأشد، والآخر هو قيادات سياسية، لها هامش من الخطاب المرن، والحركة الحرة نسبيًا.
وتوضع صور هذه القيادات على جدار النضال أو المقاومة أو الحرب أو الثورة زمنًا، ويعتاد الناس على وجوهها، لكنهم يستيقظون صباحًا، أو يفزعون مساءً، ليجدوها قد اختفت، وهنا يُطرح السؤال: من بوسعه أن يأتي بعد هذا، ويعوض غياب ذلك؟ ولا تمر سوى ساعات حتى يجد المتسائلون وجها جديدًا قد خرج إليهم، وأطل عليهم، ليملأ عيونهم.
إن أتباع التنظيم الديني السياسي والعسكري يدركون أن مسيريهم طويلة وشاقة، ولذا يتصرفون كما تفعل شركات الطيران في رحلاتها، فتضع إلى جانب الطيار مساعدًا له لا يقل عنه كفاءة، أو يمتلك القدرة نفسها في أن يصل بالطائرة إلى محطة الوصول إن أصاب الطيار الأصلي مكروه. ويصبح هذا الأمر ضرورة أكثر في الرحلات البعيدة والشاقة جدًا.
وبالطبع فإن كل المجتمعات السليمة، والدول في حال قوتها، تمتلك قدرة على إنتاج البدائل بما فيها القيادات الإدارية والسياسية والعسكرية، بل وفي الاقتصاد والثقافة، لكن هذا وفي وقت الحرب، وفي أي زمان أو مكان، يختلف في مسألتين، الأولى أن القيادة تكون في الغالب غُرمًا وليست غُنمًا، لاسيما بالنسبة للقيادت العسكرية أو الأمنية، التي عليها أن تضع رؤوسها على أكفها طوال الوقت. والثانية أن وتيرة الإحلال والإبدال في القيادات عند من هم في حالة حرب تكون أسرع.
لا يعني كل هذا أن الدول المتحاربة لا تخسر بقتل أو غياب بعض قادتها، لاسيما النبهاء الأذكياء الشجعان منهم، لكن هذا بعض قدرها، الذي تؤمن به، بل يمكن أن يفيدها في كثير من الأحيان، لأن القتل، على بشاعته، يعطي قادتها فرصة ليبرهنوا على أن مصيرهم لا يختلف عن مصير أفراد المجتمعات الحاضنة للمقاتلين، وأن دماءهم ليست أزكى من دماء الذين يساندونهم، ويعولون عليهم، ولعل رئيس المكتب السياسي لحماس يحيى السنوار، قد قدم مثلًا ناصعًا على ذلك.
لقد اعتقدت إسرائيل أن قتل المرشد وبعض القيادات معه سيؤدي إلى انهيار النظام الحاكم في إيران، لكن هذا لم يحدث، إذ سرعان ما خرجت قيادة جديدة، وانخرطت في معركة حامية ضد إسرائيل وأمريكا. ومهما استطاعت تل أبيب قتل قيادات إيرانية في الحرب الدائرة فإنها ستفاجأ بأن آخرين قد حلوا محلهم، وقد لا يقلون كفاءة عنهم، بل يمكن أن يكونوا أكثر تشددًا، مثل حال المرشد الجديد إن قورن بأبيه الراحل.
علاوة على هذا يعتقد الإيرانيون أن الاختباء لا يتماشى مع اعتقادهم، ويعتبرون أن الاستسلام أو الانهيار التام، هو خيانة ثانية للحسين بن علي رضى الله عنه، بعد أن تخلى عنه أسلافهم في الزمن البعيد، لذا يفضلون القتال المتواصل حتى الموت، إن فرض عليهم هذا، لذلك نرى الإيرانيين يفيضون في الشوارع متظاهرين ومحتجين ضد العدوان على بلدهم، حتى أثناء القصف، في وقت يختبيء فيه الإسرائيليون داخل الملاجيء، ويدير قادتهم المعارك من حصون تحت الأرض، ويدبرون فيديوهات مصطنعة عن أنفسهم كنوع من المواراة والمداراة والخدع الحربية.





















































