بقلم : منال الأخرس
بدأ عصر الإيدز الثقافي ليس منذ أن سيطر الفكر الاستعماري قديما بثوبه التقليدي مرتديا ملابس المستعمر يحتل دولا و قارات ، و ليس عندما بدأت صيحات العولمة في الصعود و لكن منذ تخلت الشعوب عن تاريخها و خصوصياتها ، و تبنت كل مظاهر الحداثة الوهمية و الموضة فتوحدت أزياء الشعوب وفق أحدث الصيحات العالمية ، عندما تبنت أفكار القطب الأوحد و الزعيم الأوحد و سلمت عقولها للفكر الأوحد.
فقديما كان الاستعمار يسيطر على رقعة جغرافية ما ، الآن أصبح يحتل الفكر والميول والاتجاهات ، و متى أصيبت الشعوب بهوس التقليد و ثقافة الاستهلاك بلا فرز لما يصل اليها اعلموا أنها قد أصيبت بداء نقص المناعة المكتسبة إزاء أي ثقافات قادمة للهيمنة على عقلها و وجدانها وتذوب تلك الشعوب في أي ثقافة تغزوها و تخطط للقضاء عليها ، و هناك شعوب تساعد أعداءها و تسهل مهمتهم ، من خلال التقليد و الأعمى و هو أول طريق طمس الهوية ، و ليس مطلوب أكثر من ذلك.
أدرك المحتل من تجارب الماضي ان الأوطان ليست في الحيز الجغرافي بقدر ما هي في الفكر و الوجدان ، فعلى العقول أن تتحرر من أسر امبراطورية القهر فصحوة العقل قادرة على تعديل المسار ، و تحصين الشعوب بالوعي يقيها هجمات العولمة و الأسر و هذا الوعي يتمثل في شفرة سرية قوية تسمى العامية المصرية ، فإذا كانت الثقافة هي الراعي الرسمي للأمم فالعامية المصرية هي الراعي الرسمي للثقافة المصرية و هي من أكثر اللهجات انتشارا و أسهلها فهما للناطقين بلهجات عربية أخرى.
و للأدب العامي صور معتادة و هي الفلكلور و المثل الشعبي و الموال الأزجال و الشعر العامي ، و حديثا أصبح لدينا السينما و الأغاني ضمن تصنيف الفنون العامية ، و يقول دكتور “عبد الوهاب علوب” صاحب معجم الدخيل في العامية المصرية : أن اللهجة المصرية خضعت لتأثير ١٣ لغة أجنبية بنسب متفاوتة و تعود لأصول فارسية ، و عبر تاريخ مصر خضعت العامية لتأثيرات ثقافية كبيرة عبر تاريخها الطويل و أخدت من لهجات المستعمرين و أعطتهم من لهجتها و كانت هي لسان حال الشعب و لا زالت ، و اشتهر شعراء العامية خاصة بعد زوال الاحتلال و كان الشعر وقتها مكرسا نسبيا لخدمة القيادة التي التفت حولها الجماهير و زاع وقتها سيط “صلاح جاهين” و بعد نكسة ٦٧ كان احمد فؤاد نجم و الشيخ امام و كانت استجابة الشعر سريعة على خلفية الهموم و الهواجس السياسية قبل ٢٥ و بعدها.
و هناك محطات هامة في مسيرة شعر العامية أهمها فؤاد حداد متنبي العامية ، و الذى قرر ان ينقل شعر العامية من منطقة الزجل الى شعر عامي حر مثل الفصحى و هذا التحول أفرز أصوات جديدة أخذت في التطور لنجد أسماء شابة احترفت الشعر العامي بمؤشرات صاعدة ، و الخلاصة لنا أن نقول أن عامية مصر و شعر العامية هو صمام الأمام الذي يحمي مصر من هجمات حروب الجيل الرابع و الخامس الموجهة للعقل الجمعي و كما هزمت من قبل و هضمت الثقافات الدخيلة سوف تنتصر.
و هي سلاح مصر القوي لأنها لغة كل الشعب المصري و الناطقة و بلسان حاله وهمه الجمعي و وعيه العميق بكل ما يحاك في العلن و الخفاء ، و نحن على أعتاب ذكرى ثورة ٢٥ يناير لنا ان نطمئن أن معنا سلاح غير قابل للاختراق من أعتى أجهزة الهجوم فشفرته تسري في دماء كل ناطق بها وعاشق لها بأرجاء الوطن العربي.
المعركة ثقافية بامتياز و لدينا التنين الذي لا يعرف انقراض ، و هو ثقافة الشعب والعامية المصرية أكبر من ان تكون لهجة و أقل أن تكون لغة ، و ان كنت أتوقع أن ما ينقصها تقنين القواعد حتى تصبح لغة و ليس ذلك ببعيد.






















































