عاجل

السيسي يؤكد دعم مصر للتسوية السياسية الشاملة في اليمن
صعوبة أداء المهام اليومية قد تنذر بارتفاع خطر الوفاة
وزيرة الثقافة الروسية: السيادة الثقافية أولوية في زمن التحولات الرقمية والدولية
بيان مصري حاد دعما للسعودية بعد محاولة استهداف الطائف وينبع
بعد تألقه أمام غلطة سراي.. محمد صلاح يكتسح رافيينا (فيديو)
تمويل التعليم عبْر الشرَاكة المجتمعية والاكتتاب الشعبي
غواصة سادسة لإسرائيل بسعر منخفض مقابل إزالة معارضتها لبيع أربع غواصات لمصر
هكذا ردت تركيا على انتقادات نتنياهو وهجومه ضد أردوغان في الأمم المتحدة
هل تضم مقبرة توت عنخ آمون رفات الملكة نفرتيتي؟.. دراسة تفتح اللغز من جديد
الوفد الإسرائيلي يغادر قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
أزمة سد النهضة تشتعل من جديد.. إثيوبيا ترد على مسؤول مصري بأقسى العبارات
مصر: تراجع الدولار يضغط على أسعار الذهب
صفوي يحدد ما الذي أعده الحرس الثوري وإيران من “دفاع موزاييكي” لمواجهة أي غزو بري أمريكي
اكتمال صفوف منتخب مصر لـ”معسكر سبتمبر” بعد التحاق 3 لاعبين.. من هم؟
بعد كشف ترامب عن “عقد اجتماع مع وفد إيران”.. ماذا قالت طهران؟

تمويل التعليم عبْر الشرَاكة المجتمعية والاكتتاب الشعبي

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

في المقال السابق، وقَفنا عند حقيقة حاسمة، مُفادها أن ترحيل أزمات ‏التعليم في مصر يُعَد استنزافًا مباشِرًا لرصيد الأُمة واستثمارها الأصيل في ‏أثمن مقوِّماتها: الإنسان المصري. وإن كانت الأوهام البيروقراطية ‏والفزَّاعات المالية قد صوَّرت إصلاح التعليم كـ “ثقب أسود” يبتلع ‏الموازنات، فإن الواقع يَفرض علينا تجاوُز مرحلة التشخيص والحياد ‏البيروقراطي، والانتقال الفوري إلى وضْع مشروع قوميٍّ لتطوير التعليم، ‏يضمن الحقَّ الإنسانيَّ والدستوري في تعليم جيد، لكل طفل على أرض ‏مصر، بصرف النظر عن موقعه الجغرافي أو مستواه الاجتماعي.‏
إن الانتقال من خانة “المسكِّنات” إلى خانة “البناء الاستراتيجي” يتطلَّب ‏معالَجةً اقتصادية وثقافية، غيرَ تقليدية، معالَجة تفكِّك المعضلة الماليةَ، ‏وتضع التعليم في موقِعه الطبيعيِّ، كأولوية أمْن قوميٍّ، ومحرِّك أساسي ‏للنموِّ الاقتصادي.‏
ولذا أدعو أولًا: لمؤتمر وطني يعيد النظر في طريقة بناء المنظومة ‏التعليمية، و(صياغة العقد الاجتماعي بين التعليم والاقتصاد)، حيث لا ‏يمكن لبناء تعليمي صلب أن يقوم على قرارات منفصِلة أو جُزُر معزولة ‏داخل أروقة الوزارات. ‏
وأحسَب أن البداية العمليةَ والموضوعية تبدأ من دعوة رئاسية لعقد مؤتمر ‏وطني موسَّع؛ لوضْع استراتيجية شاملة لتطوير التعليم وتغطية نفقاته.‏
ولا أتصور أن يكون هذا المؤتمرُ تظاهُرةً إعلامية أو تجمُّعًا أكاديميًّا ‏تقليديًّا؛ بل لإعداد منصَّة لصياغة عقد اجتماعي واقتصادي جديد، يضم:‏
‏1ــ رجالَ التعليم والتربية من خارج دوائر المستفيدين من النظام المنظومة ‏التعليمية الحالية؛ والساعين للتطوير؛ وذلك لرسْم غايات التعليم، وتطوير ‏المناهج، وترسيخ الهُوَية الوطنية واللغة العربية، وإعادة الهيكلة التربوية، ‏التي توازِن بين الابتكار والتفكير النقدي.‏
‏2ــ ورجالَ الاقتصاد والاستثمار وممثلي المالية والقطاع المصرفي؛ لترجمة ‏التطلعات التربوية إلى نماذجَ تمويليةٍ مستدامة، وتحويل الإنفاق التعليمي ‏من بند استهلاك، يثقِل كاهِلَ الموازَنة، إلى أصل استثماريٍّ ذي عائد مُجزٍ ‏ومباشر على الاقتصاد القومي.‏

وتلك بعض الأرقام التي أودُّ عرْضها قبْل أيِّ مقترحات: تمتلك مصر ‏حوالي 63 ألف مدرسة، مدارس القطاع الخاص حوالي 10% تقريبًا، ‏المدارس الدولية داخل القطاع الخاص حوالي 1%؛ أيْ أن الشريحةَ الأكبر ‏هي المدارس التابعة للدولة.‏
والهدف الأساسي للمؤتمر هو الخروج بـ “وثيقة وطنية للتعليم”، تتضمن ‏خريطةً زمنية ملزِمة لإصلاح البيئة التعليمية، وإدارة شؤون المعلِّم، الذي ‏أراه أهمَّ ضِلع في العملية التعليمية؛ فهو المؤثِّر الأهم لأولادنا تربية ‏وتعليمًا. كما تتضمن آلياتِ تمويلٍ مرنةً تعتمد على الشراكة، وتضْمن ألا ‏يُترَك طفل واحد خلْف الركاب، ودون تعليم حقيقي؛ أيْ دون وعي ومواكَبة ‏للعصر.‏
ثانيًا: إعادة صياغة التمويل، عبْر الشراكة الشعبية والقطاع الخاص، فإذا ‏كانت موازنة الدولة تعانِي من اختلالات الالتزامات الحاكمة، والديون ‏وفوائدها؛ فإن المجتمع المصريَّ يملك طاقاتٍ تمويليةً يمكن تعبئتها، إذا ما ‏توافَرت الثقةُ والشفافية؛ ولذا أطرح فكرة التمويل الذاتي لكل مدرسة من ‏خلال أولياء أمور الطلبة؛ بمعنى أنه بدلًا من دفْع أموال طائلة في الدروس ‏الخصوصية، يتم دفْع هذه الأموال للمدرسة ذاتها، والنظر فيما تحتاج ‏المدرسة من صيانة مستمرة: داخلية وخارجية، وأن يتم ذلك من خلال ‏أولياء الأمور بأنفسهم، وقتها لن يشعروا بالضيق؛ لأن أولادهم يتعلمون في ‏هذه المدارس. كما يمكن أن يكون هناك تبرُّع شهريٌّ للمدرسة بدلًا من ‏الأموال التي تُنفَق في الدروس الخصوصية.‏
لقد أثبت التاريخ المصريُّ أن الشعب – بجميع قطاعاته – هو الباني ‏الحقيقيُّ للمؤسَّسات الكبرى؛ بدءًا من اكتتابات بناء جامعة القاهرة، وصولًا ‏إلى المشروعات القومية الكبرى.‏
كما يمكن اقتراح نموذج للشراكة التمويلية الشعبية على ثلاثة أركان رئيسة:‏
‏1ــ إسهامات القطاع الخاص ورجال الأعمال، وتحفيز الحِس بالمسؤولية ‏المجتمعية، للمؤسَّسات والشركات الكبرى الخاصة، عبْر حوافزَ ضريبيةٍ ‏واستثمارية موجَّهة.‏
كما يمكن أن يتم إنشاء “صندوق دعم التعليم في القرى والنجوع”، يموِّله ‏رجال الأعمال والشركات، وتُخصَّص مبالغ التبرعات أو الرعاية للمدارس ‏مباشَرة، مقابل خصومات ضريبية معتمَدة، أو مقابل حقوق تسمية المدارس ‏والمباني بأسماء المساهمين أو شركاتهم، وفْق ضوابطَ تربويةٍ محدَّدة.‏
ــ كما يمكن إتاحة الفرصة للمستثمرين الشرفاء، لبناءِ مدارسَ حكومية ‏بمواصفات جودة عالية، وتأجيرها للدولة بنظام التشغيل طويل الأجْل، مما ‏يقلل العبء عن الخزانة العامة في التكاليف الأولى.‏
‏2. التضامن التعليمي ورسوم الخدمة المطوَّرة، فالواقع يقول إن الملايين ‏من الأُسر المصرية تنفق سنويًّا عشرات الملايين على الدروس ‏الخصوصية والكتُب الخارجية؛ بحثًا عن جودة مفقودة.‏
لذا يمكننا طرْح نظام “المدرسة الحكومية المطوَّرة، ذات المصروفات ‏المباشرة” للطبقات القادرة، بحيث تدفع الأُسر القادرة مقابل خِدْمات تعليمية ‏ممتازة في المدارس الرسمية التابعة للدولة، على أن تعود هذه المبالغ ‏مباشَرةً لصندوق المدرسة ذاتها؛ لتطوير بنْيتها وتحسين دخْل المعلمين، ‏وليس لدواوين الوزارة.‏
ومن ثم توجيه الدعم الحكومي المالي الكامل والرعاية الفائقة للمستحقين ‏فعليًّا، في المناطق الأكثر احتياجًا، مما يحقق مبدأ العدالة الاجتماعية ‏وإعادة توزيع الموارد.‏
ثالثًا: من بين المقترحات الاقتصادية الجريئة لإطلاق هذا المشروع ‏القومي، تبرُز فكرة “الاكتتاب العام لتطوير التعليم”، إلا أن تطبيقها يحتاج ‏إلى رؤية اقتصادية واضحة، تمنع تعثُّرها، وتضمن إقبال المواطنين عليها.‏
ولتكُن في صورة إصدار “صكوك تعليمية قومية”، بفئات مالية صغيرة تتيح ‏لكل مواطِن ومغترِب المشارَكة؛ بحيث لا يتعامَل المواطِن مع هذه ‏الصكوك على أنها هِبة مجردة فقط؛ بل صكوك تنموية تُوجَّه عوائدُها ‏للمشروعات الإنتاجية والخدمية المرتبطة بالتعليم (مثل شركات المطبوعات ‏التعليمية، وِرَش تصنيع الأثاث المدرسي، منصَّات التكنولوجيا المدرسية)، ‏فيحصُل المساهِم على عائد مالي رمزي، إضافة إلى الأثر الاجتماعي ‏المباشر.‏
كما يمكن إشراك المصريين بالخارج، الذين بلغت تحويلاتهم نحو 47 ‏مليار دولار، حيث يمثِّلون قوة مالية ووطنية ضخمة. وذلك عبْر طرْح “سنَد ‏التعليم القومي” بالعملة الأجنبية مع ميزات واستثناءات جمركية أو ‏استثمارية للمشاركين، ويمكن تسييل هذه التحويلات إلى استثمارات مباشِرة ‏في بناء الإنسان المصري.‏
رابعًا: هناك أفكار اقتصادية مبتكَرة لتغطية نفقات التطوير، مثل:‏
إعادة تدوير أصول وزارة التربية والتعليم المهدَرة، فهناك آلاف المباني ‏والأراضي والمخازن غير الاستثمارية في أجهزة المدن والمحافظات. يمكن ‏حصْر هذه الأصول ونقلها لـ “صندوق استثماري سيادي للتعليم”، ليقوم ‏بإدارتها وتأجيرها أو استثمارها تجاريًّا، وتوجيه أرباحها بالكامل لتأهيل ‏المدارس القائمة ورعاية المعلمين.‏
وتحويل الاقتصاد الموازي (الدروس الخصوصية) إلى اقتصاد رسمي: ‏بمعنى تحويل عشرات الملايين سنويًّا في الاقتصاد غير الرسمي. إلى ‏مراكز معتمَدة تخضع للإشراف التربوي والضريبي، وتوجيه حافز حصيلتها ‏الضريبية لحساب صندوق دعْم المعلم في المدارس الحكومية، بهدف دمْج ‏الاقتصاد الموازي، وتوفير تمويل مباشر للمدرسة الرسمية.‏
والعمل على دعْم المعلم – الذي هو عصب المنظومة – بإلغاء الوظائف ‏الهيكلية الطفيلية داخل ديوان الوزارة والمديريات، وتوفير الهدر المالي ‏الموجَّه للمشاريع الشكلية، التي لا تخدم العملية التعليمية داخل الفصل، ‏لجدول أجور المعلمين المرتبط بإنتاجيتهم وتطوير قدراتهم.‏
كما يمكن طرْح فكرة على الحكومة بتخصيص شقة مدعومة من الدولة ‏للمدرس، وإيجاد تفاهمات مع شركات تصنيع السيارات، لتيسير حصول ‏المدرس على سيارة خاصة، هذه المبادرات بإمكانها أن تعود بالمدرسين ‏للمدارس الحكومية، ولرسالته الجوهرية؛ لأنه سيشعر بأنه مقدَّر من وطنه، ‏ولديه أساسيات الحياة الكريمة، ووقتها فقط سيبذُل كل جهده. ‏
كما يمكن إنشاء شركات مساهَمة لتوفير مستلزَمات المدارس (الأثاث، ‏الزِّي المدرسي، التجهيزات المعملية، المنصات الرقمية)، وتكون تابعة ‏للصندوق القومي للتعليم، بحيث تتحول عمليات الشراء والإنشاءات ‏والتجهيزات من عبء على الموازَنة إلى نشاط اقتصادي يوفِّر فُرصَ عملٍ، ‏ويحقِّق اكتفاءً ذاتيًّا للمنظومة التعليمية.‏
تطوير التعليم ليس حلمًا مؤجَّلًا لحين رخاء الموازنات؛ بل هو الشرط ‏الأساسي لبقاء الأُمة وتماسُكها. إن الانقسام المجتمعي القائم بين تعليم ‏أجنبي (محدود العدد) يعزل الناشئة عن لغتهم وهُوَيتهم الوطنية، وتعليم ‏حكومي (متضخِّم الأعداد) متهالِك؛ يُخرِّج أجيالًا تعاني من الأمية ‏المعرفية، هو التهديد الأكبر للأمن القومي المصري.‏
والقيادة السياسية الشجاعة، التي لديها إرادة العبور بالوطن فوق التحديات ‏الاقتصادية، قادرة على تبنِّي هذا المشروع القومي لتطوير التعليم، وتدشين ‏المؤتمَر الوطني الاقتصادي- التربوي، لفتح باب المشارَكة الشعبية ‏والاستثمارية الواعية؛ لتتحول كل مدرسة في مصر إلى حصن للهُوَية ‏ومصْنع للوعي وبناء الإنسان. إن بناء العقول هو الاستثمار الوحيد الذي ‏لا يخبُو، والوقت الآن لقرار تاريخي حاسم ومصيري.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print