بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
في لحظةٍ لا تُعلن عن نفسها، ولا تُرسل إشاراتٍ مسبقة، ينقلب ميزان القلب. ليس بصوتٍ عالٍ، ولا بانفجارٍ درامي، بل بتحوّلٍ داخلي هادئ يشبه انسحاب المدّ من شاطئٍ طالما ظنّ أنه لن يجف. هناك، تحديدًا، تبدأ الحكاية الحقيقية… حين يكتشف الإنسان أن ما كان يراه احتياجًا، لم يكن إلا وهمًا مُتقن الصياغة.
ليست الصدمة في خسارة الآخرين، بل في اكتشاف حقيقتهم متأخرًا. في إدراك أن من ظننتَه يومًا ضرورة، كان يتغذّى على شعورك هذا، يمدّ جذوره في ضعفك، ويستمد سلطته من صمتك. كنت تُلين، تتجاوز، تبرر، وتحتمل، لا لأنك عاجز… بل لأنك كنت تُحسن الظن. لكن ما لا يدركه الكثيرون أن الطيبة حين تُساء قراءتها، تتحول في أعين البعض إلى فرصة للسيطرة، لا إلى قيمة تُحترم.
وهنا تأتي الصدمة الأولى… حين تكتشف أن احتياجك الذي ظنّه الآخر قيدًا في عنقك، كان في الحقيقة خيطًا يمكنك قطعه متى شئت. وأنك حين نزعت هذا الاحتياج من قلبك، لم تخسر… بل استعدت نفسك. تقف فجأة في موقعٍ لم تألفه من قبل: موقع الحُر، لا المُعلّق، المستغني لا المُستجدي، فتتغير قواعد اللعبة دون أن تنطق بكلمة.
ثم تتوالى الانكشافات…
ذلك الذي كان يُدير العلاقة كأنها خيوط دُمية، يقربك حين يشاء ويُقصيك حين يمل، يختبر صبرك بغيابه، ويُكافئك بحضوره المشروط… لم يكن قويًا كما ظننته، بل كان يعتمد على ضعفٍ مؤقت فيك. وحين قررت أن تنهي هذه اللعبة بيديك، لم يكن القرار قاسيًا، بل كان عادلًا. لأنك أخيرًا أدركت أن من يُشعرك أنك خيار مؤجل، لا يستحق أن يكون أولوية.
وهناك من كان يتكئ على خوفك من الفقد، يضغط عليك بما يعرف أنك لا تستطيع رفضه، يستغل صمتك وكأنّه موافقة دائمة. لكنه لم يتوقع تلك اللحظة التي تنقلب فيها الموازين، حين تقول «لا» لأول مرة دون ارتباك، دون اعتذار، دون شعور بالذنب. لحظة واحدة فقط، كفيلة بأن تُعيد تعريفك أمام نفسك قبل الآخرين.
أما أولئك الذين اعتادوا التلويح بالرحيل كوسيلة للسيطرة، فقد بنوا نفوذهم على وهمٍ واحد: أنك لن تجرؤ على تركهم. لكن ما إن تسبقهم بخطوة، وتختار الرحيل بقرارٍ هادئ، حتى يسقط هذا الوهم كقناعٍ قديم. فجأة، يفقد التهديد معناه، لأنك ببساطة لم تعد تخشاه.
ومن كان يمنّ عليك بقربه، ويُشعرك أن وجوده فضلٌ لا يُرد، لم يدرك أن القرب الحقيقي لا يُمنح كصدقة، ولا يُستخدم كورقة تفوّق. وحين انسحبت في صمت، دون ضجيج أو انتقام، اكتشف أن ما كان يظنه عطاءً منه، كان في الحقيقة احتياجًا خفيًا إليه هو… لا إليك.
وتبقى تلك الصدمة الأكثر هدوءًا… حين يُساء فهمك، وتُدان دون أن تُمنح فرصة التوضيح. حين يُغلق الآخر أذنه وقلبه معًا، فتختار ألا تُدافع، وألا تُبرر، بل ترحل بكرامة. ليس ضعفًا، بل وعيًا بأن بعض المعارك لا تُكسب بالكلام، بل بالانسحاب. وبعد رحيلك، يبدأ الطرف الآخر رحلة البحث عنك في وجوهٍ أخرى، في ملامحٍ لا تُشبهك، في تفاصيلٍ ناقصة، ليكتشف متأخرًا أن ما فرّط فيه لم يكن سهل التعويض.
كل هذه ليست خسارات… بل انتصارات من نوعٍ خاص. انتصارات صامتة، لا تُصفّق لها الجموع، لكنها تُعيد بناء الداخل على أسسٍ أكثر صلابة. أن تنتصر لنفسك لا يعني أن ترفع صوتك، بل أن تضع حدودك. أن تسترد كرامتك لا يعني أن تُؤذي، بل أن تتوقف عن السماح للأذى بالعبور.
في النهاية، ليست القوة في أن تبقى رغم كل شيء، بل في أن تعرف متى ترحل. ليست النُبل في التحمّل المطلق، بل في التمييز بين ما يستحق الصبر، وما يستحق الانسحاب. فالحياة لا تُقاس بعدد من تمسّكنا بهم، بل بقدرتنا على ألا نفقد أنفسنا ونحن نفعل.
هناك، عند تلك اللحظة الفاصلة، حين ينقلب الميزان… لا تعود كما كنت أبدًا. بل تصبح كما يجب أن تكون.






















































