عاجل

نجمة مصرية تكشف عن فقدانها البصر لمدة 6 أشهر!
# وانطفأ توهُّجُ الروح .. فتعطلت لُغة الجَمال وفُرشاةُ الخيال
في أول ظهور له.. رئيس وزراء مصر يكشف 8 توجيهات من السيسي للحكومة الجديد
نتنياهو يحث ترامب على توسيع المفاوضات مع إيران لتشمل الصواريخ والوكلاء
طلاب جامعة القاهرة الجديدة التكنولوجية في زيارة علمية بهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة NREA
فضائح جديدة بقضية المجرم الجنسي إبستين تلاحق الأمير السابق أندرو.. مفاجأة حول صوره فوق امرأة
ترامب: اتفاق مع إيران خلال شهر.. وإلا سيكون الوضع “صعبا جدا” بالنسبة لها
الصومال.. إغلاق ميناء مقديشو لتفريغ شحنة عسكرية
جامعة القاهرة الجديدة التكنولوجية تبحث سبل التعاون الدولي مع وفد كندي في مجال التعليم والتدريب والبحث العلمي
# عناق الفن والتراث بمعرض فنون الحضارة بأكتوبر
الجيش الإسرائيلي يستكمل خططا هجومية جديدة ضد إيران… واستعداد لعمليات متزامنة على عدة جبهات
ترامب سيعلن خطة إعادة إعمار غزة بمليارات الدولارات في أول اجتماع لمجلس السلام
انخفاض كبير في سوق المعادن النفيسة بعد تراجع أسعارها عن قمم تاريخية
# استمتع بالان قبل مايبقي ذكرى …
أردوغان حول رؤية “القرن التركي”: سيسمع صدى خطوات تركيا العظيمة والقوية أكثر من أي وقت مضى

# وانطفأ توهُّجُ الروح .. فتعطلت لُغة الجَمال وفُرشاةُ الخيال

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

في سرديته الأحدث، “زمن سعاد”، الصادرة عن الدار المصرية ‏اللبنانية 2026، يكتب د. خالد منتصر وثيقةً إنسانية ثقافية فنية، ‏واجتماعية دينية، يرصد فيها -من خلال شخصيات الرواية- ‏التحولاتِ الثقافيةَ الشاملة، التي طرأت على مصر، منذ قيام ثورة ‏‏1952م، حتى وقتنا هذا. يصِف المتغيراتِ التي طرَأت على ثقافة ‏المصريين، بعد الاختناق السياسي، الذي رافَق ثورة يوليو في الفترة ‏الناصرية، والذي وصَل لذروته وحدوده القصوَى بالاعتقالات، ثم ‏نكسة 1967. وما تلَى تلك الفترةَ من مَدِّ الجماعات الإسلاموية ‏المتشدِّدة، في المرحلة الساداتية، وسيطرة خطاباتهم ومخطَّطاتهم في ‏الجامعات، وكل مؤسَّسات المجتمع، ومحارَبة الفنون بكل صوَرِه. ‏كما يرصد التحولات التي غزَت ثقافةَ المصريين، وانطفاء جذوة ‏وتوهُّج أرواحهم وإبداعاتهم، ممَّن هاجروا لبعض دول الخليج، وتأثُّرهم ‏بالثقافة الوهابية، التي سادَت لعقود طويلة. ‏
ــ1ــ ‏
يوهِم عنوان رواية “زمن سعاد” وغلافُها القارئَ بأنه سيجِد سردية حول ‏‏(سعاد حسني)؛ سندريللا السينما المصرية، وقصة حياتها؛ لكنَّ ‏الكاتب يكسِر هذا التوقع بصورة جذرية؛ حيث تتبدَّى شخصية سعاد ‏هنا كالعلامة أو الأيقونة، التي انطبعت عليها هذه التحولات في ‏أجْلَى صوَرِها، وما طرأ على الحياة الاجتماعية والفنية في المجتمع ‏المصري، تتبدى السندريللا في السَّرد كلِّه صورةً موحيةً، تملأ الشاشةَ ‏خلْف الأحداث، والشخصيات الرئيسة والثانوية، “زوزو”؛ الأيقونة ‏الجميلة، التي طبَعَت بصماتِ البهجة والحيوية على الفن والحياة. ‏يستعرض الكاتب – فقط في إشارات – بعضَ تحولات حياتها، كيف ‏وهبَت حياتَها للفن والتساؤل، كيف جسَّدت حلمَ الجمال والحيوية لدى ‏كل رجُل وامرأة مصرية وعربية، بالرغم من كونها ليست مجرد جسدٍ ‏جميل؛ بل عقْل قلِق يبحث ويسمع ويتساءل ويُبدع، وصولًا إلى ‏طبيعة نهاياتها وموتها.‏
ما أعنيه: أننا لسنا أمام سردية عن أحداث حياة السندريللا، وقِصتها، ‏وعلاقاتها، ومحطات صعودها أو تعثُّرها؛ بل تحلِّق طبيعة شخصيتها ‏وحواراتها وأفلامها وعلاقاتها فوق السرد كمظَلَّة، كعلامة انطبعت ‏عليها ظِلال التحولات بعُمق، حتى دفَعتها للانتحار، الذي تراه ‏صديقتها “سعاد” – ابنة تلميذ والد السندريللا، الخطَّاط – فرْطَ ‏إحساس وشعور بالاغتراب، بعد أن يُصاب الإنسان باليأس؛ فينطفئ ‏بريق العينَين وحيويتُها.‏
تتساءل سعاد؛ صديقة السندريللا، حول طبيعة مَن يقرِّرون مغادرة ‏الحياة، تقول: “هل حساسيتهم أعلى؟ بلادتهم أقل؟ يفتقدون المرونة ‏والمواءمة والنفاق والمُداهَنة؟ يفتقرون إلى شجاعة الاستمرار ‏والمعافَرة؟ لا يحتملون رائحة عرَق القطيع الخانق، وزحامهم ‏العشوائي؛ فيسافرون إلى النجوم، كما قال فان جوخ، تلك النجوم ‏التي فيها مسافات عُزلة تمكِّنهم لأول مَرَّة من الجلوس مع ذواتهم، ‏والاستمتاع بدفء كهْفِهم الخاص، ربما هذا أو ذاك أو تلك، وربما ‏شيء آخَر لم نعرفه بَعد، ولن نعرفه، لكن المهم أننا أمام حالة ‏استقالة علَنية من وظيفة العِيشة، ألَّا تكون حيًّا وسط هؤلاء، وبقرار ‏نافذ وصارم وحاسم.” 184، 185.‏
ــ 2 ــ ‏
تدور الرواية حول عائلة مصرية فنية، الأم (سعاد عبد السلام ‏الضويني)؛ صديقة لسعاد حسني، وراقصة فنون شعبية في فِرقة ‏رضا، تعرَّفت بزوجها (فارس الأشموني)؛ الفنان التشكيلي، وخريج ‏الفنون الجميلة، من خلال رسْمِه لوالدتها “سميرة”، النموذج العاري ‏الذي احترَمه وانبهر بعمق عينَيها، تزوَّج سعاد وفارس، وأنجبا التوأم ‏طارق وسلمى، كُسِرت قَدَمُ سعاد في روسيا، أثناء أحد عروض ‏الفِرقة؛ فلم تعُدْ للرقص، واضطرَّ زوجُها التشكيلي اليساري – مع ‏التضييق عليه في المجلة التي كان يعمل فيها، ومسئولية الأبناء – ‏للهجرة إلى بلد عربي خليجي، هناك فقَد بريقَ روحه وفنِّه؛ وصار ‏يرسم ما يطلَب منه فقط، وإلا التهديد بالفصْل؛ فتعطَّلت فرشاة ‏خياله، واستسلم، عاد إلى مصر بعد مرض السكَّري، وضياع العمر، ‏وانقطاع تواصُله الحميم الحقيقي مع زوجته وأولاده، ترَك كل أمواله ‏وحصيلة الغربة في إحدى شركات توظيف الأموال، التي يديرها ابنه ‏وحموه؛ الحاج سعد، الذي كان طيَّارًا قبْل تديُّنه، وتضخُّم تجارته، ثم ‏يضيع كل شيء.‏


يتحول طارق الابن إلى هذه الجماعات المتشدِّدة إرضاءً لزميلته ‏وحبيبته (خديجة)، ثم يمارس ضغوطه على أخته وأمه لتتحَجَّبا، ‏ولتلغي أمه عملها في بطاقة هُوَيتها كراقصة شعبية؛ ترفُض الأم ‏إلغاء المهنة، التي عشقتها ووجدت فيها سعادتها، وانطلقت فيها ‏روحها لمساحات أكثر رحابة، وتذعِن له في الحجاب، لكنَّها تضيق ‏به؛ فتخلعه.‏
يُصِر طارق أن تبتعد سلمى عن أيمن؛ “البهائي”، زميلها في كلية ‏الطب، وحبيبها، ومع تمسُّكها به؛ يحشِد الفِرَق المتشددة – التي ‏انتشرت في الجامعات – لإهانته وضرْبه. هذه الجماعات، ومعهم ‏البعض من الأساتذة، الذين تبَنَّوا خطابَهم، ومن خلْفهم الشيوخ والدعاة ‏وأمراء الجماعات؛ شكَّلوا المُنحنَى الأخطر في حياة الجموع، وذلك ‏بفرْض الانغلاق والحجاب، وإقصاء الآخَر المختلِف في الدين، وترْك ‏الساحات الفكرية والثقافية والفنية لخطابات شيوخ الدين، الذين ‏يتربَّحون به. تركوا العقول لخطابات غيبية عقيمة، لا تستطيع أن ‏تتطور بالحياة.‏


تهرب سلمى وأيمن – إلى هولندا – من الوطن الطارد، الذي يُقصي ‏أبناءه؛ وطن لا يعترف بالموَاطنة، ولا يهَب المختلِف في الدين ولا ‏الرأي ما يستحِقُّونه من مناصِبَ وتخصُّصات، وجموع مجهَّلة، تترك ‏للمتشدِّدين التحكُّم في مصائرهم، يتزوجان سلمى وأيمن في هولندا، ‏ويعملان، ويُرزَقان بسعاد أخرى، النسخة الأقرب لسعاد حسني في ‏ملامحها الشخصية والروحية، في إشارة لبقاء الأمل في عودة الجَمال ‏والانطلاق والحساسية للحياة. ‏
ــ 3 ــ
لا تجسِّد (سعاد حسني) صوتًا من أصوات الرواية، القائمة على تعدُّد ‏الأصوات؛ أي أنها لا تتحدث عن نفسها، لكنها موجودة طيلة الوقت ‏منذ مشهد موتها، الذي يبدأ به السرد، حين تصِفها المحجَّبة والمنقَّبة ‏بأنها “ماتت كافرة”، في صدمة يبدأ بها الروائيُّ نَصَّه، تحضر “زوزو” ‏‏- في الأصوات الأربعة، التي تروي السردية – بوهَجها الإنساني، ‏بدراميةِ علاقاتها وحياتها، بتساؤلاتها الوجودية، تتساءل السندريللا ‏غاضبةً وحزينة بعد أن عرَضُوا عليها ملايين الدولارات لتعتزل الفن، ‏وتتحجَّب، وتحمي جسدها من النار، تقول: “لماذا جسدي هو المركز ‏والبؤرة؟ صراع على امتلاكه، تارةً بمحاولات الاستباحة والتلصص، ‏وتارةً بفرَمانات القمع والنفي، قدَّمتُ نفسي كفنانة، وسأظَل أقدِّم نفسي ‏كفنانة، هم يريدون – من خلالي – حفْرَ ثغرة في جدار الفن؛ لهدْمه، ‏الفن الذي عشقتُه وأحببتُه، القصة ليست حِجابًا؛ وإنما خوف من أن ‏يسحب الفنُ البساطَ من تحت أقدام سُلطتهم وسطوتهم، الخوف من ‏أن يكشِفهم الفن ويعَرِّيهم.” 108. ولعلنا نشاهد اليوم – بعد مرور ‏أكثر من أربعة عقود على بدايات ما سُمِّيَ بالصحوة الدينية – ماذا ‏تفعل الدول التي ترعرعت فيها الوهابية لتحارِب التشدُّد والانغلاق ‏وإقصاء الآخَر، تحارِب كل هذا بالفن ونشْره على أوسع نطاق، كأنهم ‏صنعوا المخلوق المشوَّه؛ “فرانكشتاين”، وحين اكتَوَوا بعُنفه؛ يعاودون ‏محاولة القضاء عليه بالفنون وأشياء أخرى. ‏
وتتبدَّى ميزة هذه السردية في أنها تجمع الخيوطَ والعلاقاتِ بين ‏المتفرِّقات في الأزمنة والأمكنة، وتبرِز عُمق توحُّدها وجذورها ‏البعيدة، فإذ يناقش الكاتب انتحار السندريللا من منظور صديقتها؛ ‏يعرِض لتكرار تلك المآسي لنماذجَ تتقاطع مع طبيعتها، مثل: مارلين ‏مونرو، وصلاح جاهين، وفان جوخ، وآخَرين كُثْر شعروا بالاغتراب، ‏وأن الآخَرين يوجِّهونهم ويستخدمونهم دون النظر لإنسانيتهم.‏
كما أنه حين يحكي عن التشدُّد في الدِّين؛ تمتد رؤاه لبداية الخلْق، ‏للإنسان الأول، يقول وهو يرصُد مرحلةً من التطور البشري: “.. ‏سكَننا هاجسُ النهاية، هل نحن إلى فَناء، أم إلى خلود في عالَم ‏آخَر؟ وبدأ الخوف ريشة الرعشة الأبدية، التي رسَمت جدارية ‏الأساطير والأديان، وصنعت المعابد والمقابر، ودشَّنت المؤسسات ‏الدينية، وطائفة حرَّاس المعبد، ومفتِّشي النوايا والضمائر.” 184. ‏ونستكمل في المقال القادم.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net