بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد
كلَّما طُرحت قضايا الأدب النسوي للمناقشة، أو قَرأتُ بعض أطروحاته البحثية، والدراسات التي قامت حول مقولاته ومدارسه، مثل نشأته وبداية ظهور المصطلَح، ثم مراحل حركته وتطوراته التاريخية؛ كلَّما بحثت عن إجابة لسؤال محدَّد يشغلني في مجال الرواية والأدب وظواهرهم الفنية، هل هناك سِمات خاصة بأدب النساء؛ بمعنى هل الرواية التي تكتبها المرأة لها خصائص تختلف مضمونًا وشكلًا عمَّا يكتبه الرجُل؟ وبالرغم من أن هذا الطرح، وهذا التساؤل قد يعود بنا لثنائيات من المفترَض أنه قد تم تجاوُزها فلسفيًّا ونقديًّا؛ ثنائية الرجل والمرأة، و ثنائية الشكل والمضمون، إلا أنني رحت أرصد تلك الخصائصَ التي تصِف وتميِّز منظومة انصهار الفكر مع بُنْية، وتشكيل العمل الروائي مكتمِلًا لدى الكاتبة المرأة لتتضح تلك المنظومة في الخطابات المرسلة، التي تسيطر على المشهد الإبداعي.
ولقد وجدت أنه قد تم تداوُل بعض المقولات والادعاءات، التي عدَّها البعض من سمات الأدب الروائي والقصصي، الذي تكتبه المرأة؛ فأعدت اختبار صحة تلك المقولات، ولماذا تم تداولها.
لست ضد التصنيف النِّسبي بين الأدب، الذي تكتبه المرأة، وما يكتبه الرجُل تحت المظلة الإنسانية الكبرى، التي تظلِّل وتشمَل الإبداع والفكر والكتابة، ويتساوَى في كُلِّيتها كتابة النوعَين في الجنس الواحد، خاصة أننا نميِّز الأدب دائمًا بالفردانية والفرادة، وأن لكل أديبة أو أديب داخل نوعه بصْمته الخاصةَ، فما الداعي للحساسية إذا كان لكتابة المرأة بعض السمات الخاصة!؟
نلمس جميعًا اختلاف الشروط الثقافية التقليدية، التي تعيش المرأة ضمن نسقِها العام، والتي تختلف عن المنظومة الثقافية الواسعة المتاحة للرجُل، التي يحصل فيها على هامش حُريات تفُوق ما يتوافر للمرأة، خاصة في مجتمعنا المصري والعربي، الذي يتَّسم بالمحافَظة، إن لم يكن ينحو في العقود الأخيرة إلى نوع من الرِّدة الثقافية في المناخ الثقافي العام لجموع الشعوب.
فكلَّما قرأت نَصًّا روائيًّا لامرأة؛ كلَّما شعرت أنه يتضمن خصوصية، أستشعرها بشكل ما؛ لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية، فهي ليست فارقة وجوهرية بصورة جذرية، لكن يبقى هناك شعور بخصوصية ما، لذا رحت أبحث عن إجابة لسؤال يؤرِّق الباحثين في الرواية، وفي طبيعة منتَج المرأة الأدبي، ما هي الخصائص التي تميِّز الرواية التي تكتبها المرأة؟
بعد قراءات متعددة للروايات التي تكتبها المرأة، نصوص تشمل المشهد الروائي المصري والعربي، وبعض المترجَم العالمي، عبْر سنوات كثيرة، وتضمَّنت قراءة العديد من الأبحاث النقدية؛ وجدت أن هناك بعضَ الملامح الخاصة برواية المرأة بالفعل، وأحسب أنها تعود لخصوصية فضاء المرأة الذهني، الذي يتفق مع الرجُل في المعاني الإنسانية الكبرى العامة، ثم يختلف نسبيًّا، نظَرًا للسياقات الثقافية، التي تحكُم مخزون العقل الجمعي للمجتمعات فيما يخُص المرأة، وما يترسَّب من عاداتٍ وتقاليدَ وأساطيرَ وأديان ومعارِفَ وهيمنةِ مواضعات ومقالات، وضَعها الرجُل لتدعم تفوُّقه، وترسِّخ له دائمًا، ثم نشْر تلك المقولات، وتكرارها حتى يتصور الجميع – الرجُل والمرأة كليهما – أنها حقائقُ ولا سبيل لتغييرها.
الفضاء الذهني للمرأة محله العقل، حيث المدرَكات التي يرسم العقل ملامحَها لموضوع ما، عندما نتعرض لخبرة أو نستمع لكلام أو حوار، أو نقرأ عن موضوع في كل قضايا الوجود وتفاصيله، فيُكوِّن العقل من خلالها صورة عن تلك الموضوعات، لكن تظَل هذه الصورةُ مؤقَّتة، أما البُنَى التي تشكَّلت بالعقل، فهي بُنًى راسخة. هذه البُنَى تتمثل في خبرات الفرد الحياتية وتجاربه، معارفه ومعلوماته القديمة والحالية، نوع دراسته وهواياته، علاقاته وطبقته، انفتاحه على ثقافات متعددة أو محدَّدة، ولذا لا سبيل ألَّا تتأثر المرأة بالسياقات الثقافية، التي حكمَت نشأتها، ومراحل نموِّها، والقيود المجتمعية التي أحاطت بها كافة، طبقتها ووسَطها الثقافي، قُدرتها على تجاوُز الكائن، أم العيش وفْق شروطه.
تفترض نظرية الفضاء الذِّهني أنَّ الإنسان يملك مستوى تنظيميًّا، يرتب بواسطته العالم الخارجي، ومن خصائص هذا المستوى التنظيمي أنَّه ذهني، ويرتبط بصورة سببية بعملية الإدراك، وبحالات الجهاز العصبي، وهذا المستوى – الذي يتم تشغيله وتوظيفه من لدُن الكائن البشري في كل حين – يشكِّل مجالاً للمعلومات الموجودة في الذهن. وبعض هذه المعلومات الذهنية نجدها مرمَّزة في اللغة؛ لذا تختص المرأة بطريقة رؤى للعالم وقضاياه من حولها، وفْق مخزون مكونات ومُدخَلات مجتمعها، كما تختص بلُغتها وطرُق صياغاتها للأساليب والمجاز والصورة نسبيًّا.
كما أرجو تسجيل ملاحظة أساسية قبْل رصْد هذه السمات الغالبة، هناك تجاوُر لمتناقضات كثيرة فيما يختص بسِمَات نصوص المرأة الروائية، وهو ما يرتبط فيما أحسب بالفروق الفردية، واختلاف معطيات السياق الثقافي لكل امرأة، يرتبط أيضًا بعمق تجربة المرأة الإبداعية، وانفتاح رؤيتها للعالم، وقدْر المعارف التي تغذِّي وعْيها الروائيَّ، أيضًا بقدْر الحريات التي تنالها وتتحرك وسط فضائها.
ويمكنني استعراض بعض الخصائص والسمات التي تميِّز الكتابة النسوية المصرية والعربية:
ــ يتشكل الصراع داخل النَّص الروائي حول هموم المرأة وقضاياها عادةً؛ حيث تعالِج الكاتباتُ موضوعاتٍ مثل الحب والزواج والاستقرار والطلاق، الأمومة والإنجاب ورعاية المنزل، العذرية وقضايا الاغتصاب، تعرِض أيضًا لتأثير الموروثات الاجتماعية والعقائد الدينية، التي تضعها تحت طائلة ثقافة ذكورية مهيمِنة وقامِعة، كما تتطرَّق إبداعات المرأة إلى الثورة على التقاليد والأساطير، وتأويل السَّلَف للنصوص الدينية، ولقد عولِجت تلك الموضوعاتُ، في جُلِّ نصوص الكاتبات المصريات والعربيات، فبداخل كل روائية تشتعل جذوة متَّقِدة، تثور على السياقات والثقافات التي تكبِّل حرياتِها، وتمارِس التمييزَ ضِدها.
كما ناقشت نصوص المرأة أيضًا، توازيًا مع رغبتها في الحصول على حريتها، حريةَ أوطانها، والرغبة في التخلص من الاستعمار في مرحلة تاريخية تخُص إبداعاتها، ثم مساواتها بالرجُل في الحياة السياسية والنيابية، ومجالات العمل كافة، ويعَد طرْح تلك القضايا في الأدب من خصائص الكتابة النسوية، التي يعبِّر فيها النَّص الأدبيُّ عن تجربة المرأة الخاصة، ومعاناتها وواقع حياتها بشكل صادق، ومخالف للأنماط التي صُورت بها المرأة طويلًا، والتي تنافي إلى حد بعيد الحقيقة والواقع، حيث تناقَلتها ورسَّخت لها كتابة الرجُل، مثل المرأة التي تغوي، أو التقليدية رَبة المنزل، التي تتقبَّل ما يُفرَض عليها فقط، في إطار كونها مستقبِلًا لِما يفرِضه الواقع والرجُل.
وفي هذا الصدد أودُّ أن أشير إلى أن تلك القضايا تشغل الرجُل أيضًا في نصوصه الروائية، ولذا تعَد الكتابة النسوية هي ما تعالج تلك الموضوعات، سواء كتبتها المرأة أو الرجُل، لا تتصدر تلك الموضوعات أولويات الرجُل؛ لِما يتمتع به من حريات لا تجعله الطرف الأضعف، كما أنه لا يواجَه بالظلم أو الجور في ثقافة المجتمع، فدائمًا ما كان لديه حرية التجربة والاختيار والتنفيذ، وليس هناك ما يعوقه؛ فهو الفاعل الذي يمسك زمام المبادرة وتحديد مصيره، لذا تفرَّغ لقضايا الوجود الكبرى، وقضايا الميتافيزيقا، خاض عوالم التجريب في الأشكال الفنية، مارَس اللعب المتحرِّر مع سُلطة الأنواع الأدبية، فليس هناك ما يعوقه أو يستنزف طاقاتِه، التي تُعَد مسلمات في الحياة، مثل الحريات والعدل والمساواة، ليس هناك مَن يتوجس من كل شأن يتعلَّق به.
ــ تنفتح بعض الإبداعات الروائية للمرأة على قضايا تاريخية وسياسية، ودينية حضارية، تأكيدًا على الاهتمام بهموم المجتمع، الذي تنتمي له الكاتبة، تاريخه وحاضره والحلم بمستقبله، كما أن المرأة تملك المخيلة الواسعة، التي تجعلها تعيد أسطرة الوجود، وإعادة خلْقه فنيًّا، وتشكيل القصص الملحمية.
ولقد تكررت مقولات حول محدودية عوالم المرأة التي تطرحها في النصوص الرواية، وأحسب أنها من الادعاءات التي تطلِقها الثقافة الذكورية المهيمِنة والمشكِّكة في منْجَز المرأة؛ حيث نجد أن بعض النصوص، التي تكتبها المرأة، يُبذَل فيها كثير من الجهد البحثي والمعرفي، وتتنوع عوالمها وتتفرع، حتى أننا نلمس لدى بعض الكاتبات مشاريعَ سرديةً، يشتغِلن عليها، تاريخية أو فنية، أو حول أعلام وفنانين وشخصيات تاريخية حقيقية، أو لتاريخ حركات وقضايا، لأحد التخصصات من العلوم والفنون، وجميع تلك المواد توظَّف فنيًّا في نصوصهم الروائية، مثل نصوص: رضوى عاشور، نجوى بركات، غادة السمان، بثينة العيسى، إقبال بركة، نوال السعداوي، سلوى بكر، هالة البدري، منصورة عز الدين، رشا العادلي.
ــ الانحياز لصوت المرأة، فبعد أن عانت من قمْع صوتها أو تهميشه في الفكر والإبداع، في العهود السابقة، ينطلق صوتها وتبوح بهمومها وتشكِّل العوالم التي تشغلها، وترغب في الإفصاح عنها، فالأنثى سيدة النَّص، وتحارب غيابها وتراجِع حقوقها في المجتمع بالحضور الملِح في النصوص التي تسردها. فتعطي الكاتبة – لشخصياتها النسائية من حيث عدد الأصوات أو محورية الصراع وقوته – أكبر مساحة من النَّص، انطلاقًا من صوت الراوي أو الشخصيات الفاعلة.
ــ في بعض النصوص الروائية تتحول علاقة الأنثى بالذكَر إلى علاقة الأنثى بالأنثىٰ، وكأنه استبعاد وتخفُّف من مأزق علاقتها بالرجُل، في ظِل ثقافة تلاحقها باللوم، وتصُب المسئولية عليها دائمًا، تستعيض المرأة بالمرأة طلبًا للراحة والأمان، وفي إشارة إلى الاستغناء والابتعاد لقدْر إشكاليات التلقي القائمة في العلاقات بين المرأة والرجُل وتعقُّدها، في ظِل ثقافات مكبَّلة بالتقاليد الرجعية، ونصوص دينية تمنع الاختلاط؛ ثم تتغير السرديات لتتسق مع التطورات التي لحقت بالمرأة الحديثة في المجتمعات الشرقية.
ــ هيمنة أبجدية الجسد على السرد النسوي وقد تتداخل هذه السمة مع السرد الذكوري، ولكنها طاغية أكثر في السرد النسوي، وخاصة العناية بالجسد الأنثوي وخواصه الفارقة، بوصفها خواص تعلو به وتميِّزه، ويبدو جسد المرأة في بعض النصوص كأنه ساحة لتجليات أشكال السُّلطة حيث تقع عليه معارك القمع أو الاستحواذ، وتتعامل المرأة بدورها مع جسدها كرِدة فعل أحيانًا، كما أنها تعتبره جائزة، تهَبه لمَن تشاء، وتستخدمه ربما في علاقات سادية، كنوع من الانتقام من قهْر وقَع عليها.
ــ في بعض النصوص تتسم الشخصيات النسائية بالجرأة والاستقلالية والمبادرة، كما التفاخر بأنوثتها، بل تُلِح على تحقيق هُوَيتها كأنثى، كرَدِّ فعل عكسي على تهميشها، والرغبة في التعتيم عليها، في نفس النصوص تتجسد بعض الشخصيات النسائية الخانعة، التي تتشكل وفْق ما تفرضه المعطيات المجتمعية.
ــ إبراز السُّلطة الاجتماعية الواقعة على الأنثى؛ حيث الحصار الذي يلاحقها اجتماعيًّا، ويتصاعد مع نمو جسدها، وظهور ملامح أنوثتها؛ فيعجِّلون بالرغبة في ستْرها بالزواج، والتخلص من عبئها، لتصبح في ظِل رجُل، وتصبح الأم في هذا السياق الحارس الأعنف على تأدية هذه المَهمة، وكأنها تؤدِّي وتتخلص من أمانة وصلت إليها ممَّن سبَقنها، محمَّلات بموروث زرعته فيهن ثقافة ذكورية، تتغيا كافة أشكال السيطرة على الأنثى.
ــ فيما يختص باستخدام الروائية المرأة لتقنية الزمن؛ نجد كثافة الاسترجاع، حيث يغلب على السرد النسوي تقنية الزمن الاسترجاعي، أكثر من الاستباق أو المستقبل، فالسُّلطة تأتي بركائزها من الماضي، وتحاصِر الأنثى، ومن أشكال هذا الاسترجاع: الحوار الداخلي والأحلام؛ حيث الماضي المعبأ بالذكريات، وتكرار أشكال القمع ووقائعه، وأحسب أنه الألم، الذي تشعر به المرأة نتيجة إهدار حقوقها، فتعاود اجترار أحداث تركت بصماتٍ غائرةً على كيانها.
ــ يظهر – في بعض النصوص الروائية للمرأة – شيوعُ المنولوج “الحديث مع النفس”، وهو ما يفصح عن العيش في عوالمَ خانقة، تتضمن ضلالاتها، نتيجة لافتقاد الحرية، كما يعود للقدْر الضئيل من الخبرات الحياتية والمعرفية، والاستناد إلى عوالم الخرافة واللامعقول، والأحلام الخارجة عن منطق العقل للعلاقات السريالية، حيث عصور طويلة قضتها المرأة في عالم الحريم المنغلِق على نفسه وأوهامه.
ــ تميل بعض نصوص المرأة لشعرية السرد، ونزوعها إلى الرومانسية، الذي قد يتحول بعضه لترهات تعابير لا طائل من ورائها سوى دغدغة المشاعر، والاستغراق في عالم الضحية، كما الوقوع في حبائل الثنائيات مثل الذكورة والأنوثة، التقارب والتباعد، الوصل والفراق، الحق والباطل، الظاهر والباطن، الحب والهجر.
ــ استخدام أسلوب اليوميات والمذكرات والرسائل، والاسترجاع والتناص، ومن ثم كسْر أفقية السرد؛ حيث الاتكاء على أساليب وتقنيات تحقق تقويض حدود الجنس الأدبي.


ــ يتأثر تشكيل الصورة الفنية لدى المرأة، وطريقة تخليق المجاز والتشبيهات والاستعارة، بخصوصية عالمها الذي عاشت فيه طويلًا، عالمها المتمثِّل في تغلغُل شعورها بالأمومة وتفاصيل عطاءاتها، بمفردات عالمها في الطهي والذائقة والأطعمة والطبخ، عالم الروائح، كما أنه في سرْد بعض الكاتبات الرائدات تبدَّت مفردات الحياكة والغزْل، والاشتغال بفنون التطريز، بتفاصيل الجسد والاحتفاء به، والإعلاء من الجَمال، وجعْله محورَ وجود، أو تحقيره وعَده مِحنة، وتتكرر مفردات هذه العوالم وتشكِّل الصور المجازية، التي تكتبها المرأة الروائية، وبالطبع كلَّما اتسع عالمها وخبرات عملها؛ كلَّما تلوَّنت السردية بتلك العوالم.
ــ بعض النصوص قد يشوبها مطُّ السرد، والاستغراق في التفاصيل، وهو ما قد يندرج تحت تقولات الثقافة الذكورية أيضًا، حيث تتضمن نصوص الرجُل أيضًا استرسال الحكي والإيغال في وصْف الشخوص، والمواقف، والمكان والزمان، ثم انتقاء وقائع بعينها من الذاكرة، واستحضار أحداث أو شخوص طارئة، تغيِّر أو تعطِّل مسار الحدَث الأصلي.
ــ لاحظت أيضًا تغيُّر المنظور الخاص بالمرأة لمنظومة القِيَم، التي حكمت مقدِّرات العالم وسياساته لقرون طويلة، حيث تساءل الجميع – بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وبعد قتْل أكثر من 50 مليون إنسان، والخراب الذي شمَل مناطقَ كبيرةً من العالم – ما جدوى الزعامات التي يتصارع عليها الرجال، ماذا يعود على العالم من نوايا بسْط النفوذ، ورغبات التوسع واستعمار البلدان، ما جدوى كل هذا العنف وإراقة الدماء، علَت منذ منتصف القرن العشرين أصوات النساء، لنلحظ بدء دراسات الفلسفة النسوية، وكتابة التاريخ والقانون النسوي، وغيرها من تخصصات.
في أواخر ستينيات القرن العشرين ظهرت دعوات واضحة تنادي بمنْح المرأة دورًا أكثرَ تأثيرًا في النتاج الأدبي، كتابة وقراءة ووعيًا؛ أي انتزاع الوعي الفردي بداية، ثم الجمعي في ثورة ضد موازين القوى الجنسية المهيمنة، حيث التهميش شبه الكامل والمتعمَّد للنساء، وحصْرهن في مناطق محدَّدة من طبيعة الوجود والأدوار الحياتية والوظيفية() ولقد رافَق هذا التوَجُّه إبراز التراث النسوي، وإسهامات المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، وإبداعات المرأة في مجالات وفنون متعددة.
اهتم النقد أيضًا وخاصة الأنجلو-أمريكي بدراسة إبداع النساء، وفحْص ما ألصِق به، والـتأكيد على خلوِّه من خصائصَ روَّجت لها بعض التوجُّهات، من قبيل: عرَضيته وسطحيته، وهامشيته، وبُعده عن الجوهري، وغَرَقه في اليومي الخاص بالمرأة، ومعاناتها فقط مع الرجُل والمجتمع، وتكرار نفس التجارب التي تُطرح فيه، وعدم قدرته للخروج لرؤى كلية وتجريدية، حيث خيال المرأة غير القادر على إعادة تشكيل العالم، وفْق رؤية مغايرة، تعيد تفسير الوجود وغيرها من ادعاءات.
اشتغل على تفنيد تلك المقولات كاتباتٌ متخصصات في التاريخ الحضاري والثقافي، وبالتوازي كانت إسهامات المتخصصات من النساء في علم الاجتماع وعلم النفس التحليلي على قدْر كبير من الأهمية، ولقد ظهرت في هذا السياق كتُب على قدْر كبير من الأهمية مثل: “التفكير حول المرأة” “لماري إلمان” 1968، و”النساء والجنون” لفيلس شيلو، و”السياسة الجنسية” “لكاتي ميلليت” 1977، واعتُبرت جميع هذه المؤلَّفات، مع حركة النقد النسوي بصفة عامة، توجُّهًا لإبراز صوت المرأة على نحو عادل ومتزِن، في مقابل الصمت الذكوري المتعمَّد والممنهَج، الذي قوبلت به إبداعات المرأة.
لتيار النسوية توجُّهات ومدارس مثل:
ــ النسوية الليبرالية والتي تنادي بالمساواة بين المرأة والرجُل، في توفير فُرص عمل، وتحقيق تكافؤ الفرص، وتقييم الأعمال، دونما تفرقة على أساس لون أو نوع.
ــ النسوية الراديكالية وهو تيار أصولي متشدد، ينادي بالابتعاد عن عالم الرجال، وبناء مجتمع من النساء، يبني توجُّهاتِه انطلاقًا من جسد المرأة، فيقيِّم المرأة، ويعالج عالمها عبْر جسدها، ويشير إلى قدراته وقوَّته المتمثِلة في الحمْل والإنجاب، بينما يقيس الذكوريون كافة قُدرات المرأة العقلية والثقافية والعلمية والاجتماعية على ضعف قدراتها العضلية.
ــ النسوية الماركسية يؤكد أصحاب هذا الاتجاه على البعد الاقتصادي في التفضيل النوعي، ويطالبون بضرورة المساواة في الأجور وساعات العمل بين الرجال والنساء، وعدم إقصاء أيٍّ منهم، في أيِّ مجال إنتاجي بسبب نوعه، فالقول بعدم كفاءة النساء يسمح باستغلالهن من خلال إدخالهن وإخراجهن – إلى ومن سوق العمل – بسهولة، بدعوى عدم كفاءتهن، بينما يكون هذا التلاعب بأقواتهن لخدمة رأس المال، كما يفسرون الكثير مما يقال عن دور المرأة كزوجة وأم يهدف في الأساس إلى تسخيرها للعمل في المنزل، دون تقاضي أيِّ أجْر، ويرون أن الإنجاب يقوم على الشراكة في المسئوليات بين المرأة والرجُل.
- النسوية ما بعد البنيوية، وترى معظم المنتميات لهذا التيار أن التفرقة النوعية لا هي بيولوجية ولا اقتصادية استغلالية؛ وإنما التفرقة تكمن في اللغة. فاللغة هي التي تقوم بتأنيث أو تذكير كل شيء، بما في ذلك الصفات والجماد والمجردات، ومن ثم فهي مهْد الانقسام، ونتيجة لهذا الانقسام؛ تنبني عليه سياسات تفصيلية متعلِّقة بعلاقات القُوى، ترى الكاتبات في هذا التيار أن القسمة الثقافية اللغوية هي نسَق قهري، يدمِّر بعض جوانب الشخصية، لكل من النساء والرجال، فالذكاء والحساسية صِفتَان يمكن أن يجتمعا في الكيان الواحد؛ الذكاء ليس للرجال فقط، ولا الحساسية للنساء فقط، لا يمكن أن نطلب من الرجال عدم البكاء، كما لا يمكن أن يقتصر التفكير على الرجُل فقط، وأن تستبَعد النساء من المشاركة في حلِّ المشكلات، التي تتطلب عملًا عقليًّا؛ ففي ذلك صيَغ قهرية إقصائية، وترى نسويات هذا التيار أن هناك ساحةً ثالثة، يتم فيها الاعتراف بكل الصفات، وتقديرها، دون التمييز، وإقرار إمكانية وجود ما يبدو متناقضًا؛ ولذا يركِّزن على فكرة قبول الاختلاف كنسَق ذهني، يعمل على التعايُش، ويعطِّل سياسات الصدام والصراع ، وهُن مقتنِعات أن التمييز النوعي وما أنتجه من إشكاليات اجتماعية ونفسية، هو نسَق ثقافي ذهني، لا علاقة له من قريب أو بعيد، بالاختلاف البيولوجي بين الذكور والإناث، والذي تم إسقاط معان كثيرة عليه، دون أن تنطق به لا أجساد النساء ولا الرجال.
- النسوية السوداء، وتتشكَّل من تيار من الكاتبات، اللاتي تركِّزن على المختلِف ثقافيًّا، وهاجمت تلك الحركة كل الحركات النسوية المطالِبة بمظلة واحدة؛ ليقِرُّوا بأن معاناتِهم تختلف عن تجارب وتواريخ وقناعات النساء الغربيات، فقهرهن مضاعَف؛ نتيجة لثقافة بلادهن، والاستعمار الغربي معًا، وهو استعمار نفَّذه كل من الرجُل والمرأة البيضاء، لتبني الأخيرة تراتبية ثقافية قائلة بأفضلية الثقافة الغربية على ما سواها، ولذا استحلُّوا استعبادهن وتوجيههن، بدعوى النهوض بهن. تركز تلك الحركةُ على تأكيد أهمية الموقع الثقافي والسياق الاجتماعي المحيط بالمرأة.
تهدف الكتابة النسوية إلى التخلص من ظُلم وقمْع المجتمع البطرياركي الأبوي؛ حيث لم تسفر رغبات الرجُل التوسعية إلا عن الحروب والاستعمار وإراقة الدماء، والعودة إلى المجتمعات الأمومية، والأدب النسوي يخصص لطرْح قضايا المرأة وصراعها التاريخي الطويل لمساواتها بالرجُل، ويرى البعض فصْل أدب المرأة عن الرجُل، وهو ما يرفضه الكثيرون، وأنا معهم؛ لأن الأدب في جوهره ظاهرة إنسانية لا يمكن وضْع حدود فيه بين المرأة والرجُل.






















































