بقلم دكتور / عمار علي حسن
لا تُبنى الأوطان بالكلمات الطنانة الرنانة، ولا الوعود الجوفاء البائسة، ولا التوسلات والمناشدات العاجرة، ولا الاستجداء والاستدانة، ولا بإهمال العلم والمعرفة، والإتكاء على الحظ والمصادفة والخداع. ولا يمكن لسلطة أن تبني وطنا، حتى لو كانت تزعم هذا ليل نهار، وهي تهين كرامة وحرية البشر، أساس التنمية ومقصدها، وتنظر إلى الناس من عل، وتتعامل معهم على أنهم كم ممل، وكلأ مستباح، وأنهم عاجزون عن معرفة مصلحتهم، وإن عرفوا فهم أضعف من أن يتخذوا قرارا بشأنها.
ولا تبني الوطن سلطة تتوهم أنها تعرف كل شيء، المشاكل وحلولها، والأمراض وعلاجها، وتزعم أنها هي الطبيب، وهي الحكمة، أو أن تتلقى وحيا من السماء، أو على الأقل إلهاما يأتيها من داخلها، أو تمنحه إياها قوة خفية، وهي في هذا لا تعيش إلا في أوهام، إنما تبنى الأوطان بتعليم جيد أولا، ثم تطبيق إفرازات هذا التعليم في واقع الناس.
دارت هذه المعاني في رأسي وأنا أتصفح كتاب الدكتور ممدوح حمزة الأخير ” كيف نبني الوطن؟ .. تشخيص حالة وعلاج ” وهو رجل إن كان هناك من يختلفون مع نهجه السياسي أو حتى طريقة تعبيره عن أفكاره وميوله وانحيازاته، فإن أي منصف ليس بوسعه أن يقلل من قيمته العلمية، وخبرته العملية في مجال تخصصه، والتي شهد له بها كثيرون في الشرق والغرب، فهو حاصل على الدكتوراه في الهندسة من جامعة لندن، وصمم مشروعات كبرى، وأشرف على تنفيذها وإدارتها في معظم قارات العالم، وحصل على العديد من الجوائز العالمية، ونشر بحوثا ودراسات عديدة في مجال تخصصه في كبرى الدوريات الرصينة والشهيرة على مستوى العالم.
وهذا الكتاب يأتي بعد كتاب آخر أصدره العام الفائت عن “الدار المصرية اللبنانية” وعنوانه “الانفتاح على مصر .. تنمية الصحراء الغربية “، وكان عبارة عن أفكار لمشروعات قومية مدروسة جدواها على أيدي أكفاء من أهل كل تخصص، وليس مثل كثير من المشروعات التي تطلق في أيامنا تلك دون أن نعرف على وجه الدقة ما سيعود على البلاد منها، وما هي تكلفتها؟ وما هي الدراسات التي تطمئننا إلى أن تمويلها هو عمل اقتصادي منجز وليس أكثر من دفن مئات المليارات في الرمال، أو حرف مسار الاقتصاد الوطني لصالح ما يغلب في الأمن على التنمية، والمظهر على الجوهر.
فكتاب “الانفتاح على مصر” هو نتيجة جهد جماعي أشرف عليه المؤلف، واستقطب لإنجازه خيرة العقول المصرية في التخصصات الجامعية كافة، وهو لم يكتف بوضع هذه الدراسات على الورق، كي يشملها كتاب، إنما عرضها على الحكومات المصرية المتعاقبة وأولها حكومة نظيف، ثم حكومات ما بعد ثورة يناير، وكل من في الحكم أعطوه من طرف اللسان حلاوة، ووعدوه بالفحص والدرس والتنفيذ، ثم راغوا منه، ولم يكتفوا بعناء الرد المنطقي عليه، وسيق جميع ما قدمه إلى سلال المهملات الحكومية، ليجد نفسه في النهاية مضطرا إلى إصدار كتاب، هو في الحقيقة عبارة عن خطة أو برنامج وطني شامل يقدم به شهادة مزدوجة المغزى والمعنى، الأول عن تقاعس من يديرون البلاد على توظيف ما تنتجه العقول المصرية المبدعة، والثاني عن أن الجماعة العلمية المصرية لم تأل جهدا في تقديم المشورة المدروسة بغية النهوض بالبلاد، وهو ما ينفي جملة وتفصيلا اتهام السلطة للمصريين بأنهم يكتفون بالنقد والرفض والمطالبة ولا يشاركون في تقديم الحلول لمشكلاتنا المعاصرة.


ويريد الكاتب أن يخرج من هذا النفق المظلم، الذي أدخلنا فيه المستبدون بانفرادهم بالقرارات المصيرية، فيتحدث في أول سطر من كتابه عن المؤسسات قائلا: “على هذه الأرض، لا غيرها، خُلقت المؤسسية والدولة المبدعة. على هذه الأرض، لا غيرها، تبلورت قواعد احترام العقل والعلم وتوظيفهما، لتورثنا حضارة هل أصل كل البدايات”، ثم يضع المبادئ الآساسية التي هي خلاصة خبرته التي امتدت نصف قرن تقريبا، من أجل بناء دولة قوية، وهي: إعادة تنظيم جهاز الدولة وفق أحدث النظم الإدارية والتقنية وبناء القدرات الذاتية للمواطنين والمؤسسات، وإنشاء منظومة وطنية لمحاربة الفساد، وبلورة قواعد تمنع تجدده، وتطبيق العدالة الانتقالية، واستعادة التماسك المجتمعي، والالتزام بتطبيق الدستور، والقضاء على الأمية التعليمية والمعرفية، وتعزيز رأس المال الاجتماعي بشتى ركائزه مثل: الثقة في المجتمع، ونشر ثقافة التطوع، وترسيخ روح التكاتف بين الناس أفقيا ورأسيا، وتمكين المجتمع المدني، كما يجب وضع خطة قومية للتحكم في زيادة السكان، وتفعيل وتطوير الإمكانيات الثقافية وكل مصادر القوة الناعمة، ووضع خطة واضحة المعالم لتحديث الإنتاج الصناعي والزراعي والتقني.
بعدها يقسم الكاتب مؤلفه إلى عدة عناوين يدرج تحت كل منها موضوعات محددة، وهي تشمل التشخيص والتفاعلات والأسس ودور البشر والموراد المتاحة والنظم التي يجب اتباعها. وفي التشخيص يبين كيف أننا نعود إلى الخلف بسرعة شديدة وننسى في رجوعنا هذا أننا “أول دولة في التاريخ، وأول دولة عرفت الدستور والمجلس النيابي، وأول دولة أنشأت السكك الحديدية في المنطقة، وأول جامعة دراسية، وأول دار عرض سينمائي، وأول استاد رياضي، ومن أولى الدول التي أدخلت الكهرباء”، ثم يؤكد أن العودة لحلبة المنافسة الإقليمية والدولية تتطلب أولا الاعتراف بحقيقة المشكلة التي نعاني منها، والتخلي عن أسلوب المسكنات، ووضع استراتيجية للمستقبل تشارك كل القوى الفاعلة في وضعها، ووقف نهب كنوزنا البشرية والطبيعية، وبناء شبكة نقل قوية ومدروسة ومربوطة بمشروعات التنمية، وتشجيع الصناعة الوطنية، وتصحيح العجز في الميزان التجاري، وإقامة دول القانون والعدل والكفاية، وبناء سياسات تعيد لمصر دورها الإقليمي، ووقف نزيف الأدمغة مع الاهتمام بالبشر تعليما وتدريبا تحت لافتة “المصري هو الحل” في ظل “بيئة مبدعة” تُعني بتعزيز العلوم والآداب والفنون، والتوقف عن التذرع بأن المشكلة في الشعب، بينما الحقيقة العلمية الجلية تقول إن المشكلة كانت في الإدارة العليا، وأن مصر فسدت من رأسها كالسمكة.
ولم يطرح المؤلف تشخيصه وأسلوب العلاج الذي يقترحه من خلال لغة إنشائية عاطفية تتكئ على “ما ينبغي أن يكون” إنما يدرس الواقع جيدا، وبأدوات وآليات ومناهج علمية، ومؤشرات ومعايير معمول بها دوليا، مشفوعة بإحصائيات ورسوم بيانية ودراسات ميدانية وتأملات واستبصار يعتمد على الوعي والتجربة والخبرة، ثم يقدم اقتراحات قابلة للتطبيق، لأنها تراعي الظروف التي نعيشها، ولا تقفز عليها أبدا، ويقدم كل هذا بلغة بسيطة سلسلة لكنها تحافظ على الدقة العلمية ومنطقية عرض الحجج.
وينتهي الكتاب بسؤالين جوهريين هما: من سيحاسب من؟ ومن سيصلح من؟ فمشكلة مصر أن الإدارة في مأمن من الحساب، و”من أمن العقاب أساء الأدب”، وهذه الإدارة تجنح إلى فرض الأمر الواقع على المصريين، موصدة الطريق أمام كل عقل يريد أن يشارك في إبداع حلول للمشكلات الراهنة، ولاغية كل قواعد المنافسة، ومانعة من لديه خطة بديلة أو رأي آخر أن يعرضه على الشعب. فرغم أن ما قدمه المؤلف في كتابيه لا ينطوي على أي غرض في فضح أو تجريس أحد، إنما هو عمل علمي بامتياز، أو نتاج تعليم متقدم باقتدار، فإن مؤلفهما عجز عن الوصول إلى أكبر عدد من الناس لشرح أفكاره، وعرض مقترحاته، وكان كلما حجز قاعة في فندق أو ناد ليرى الجمهور ثمرة ما انتهي إليه بعد جهد جهيد، يحال بينه وبين ذلك، حتى أنه اضطر إلى عرض كتابه الأول في أماكن ضيقة بشقق بسيطة تمتلكها بعض الأحزاب السياسية، أما كتابه الثاني فلم يجد مكانا يسعه سوى مكتبه، حتى تواصل السلطة مزاعمها بأن معارضيها لا يملكون سوى طحن الكلام!
والكتابان في حقيقتهما، ودون أن يذكر المؤلف هذا صراحة، هما نتاج تعليم مدني لأساتذة تخصصوا في مجالات هي ما يجب أن نهتم بعطائها المتنوع، وما تحويه في مناهجها ومضامينها من قدرة على الإسهام الخلاق في حل مشاكلنا الحياتية الصعبة.
# عمار على حسن























































