بقلم الكاتبة الصحفية / سهام فودة
ليست الحياة قاسية بالقدر الذي نتصوّره، لكنها صادقة إلى حدٍّ موجع. فهي لا ترفع الستار عن حقيقتنا دفعة واحدة، بل تفعل ذلك على مهل… عبر كسورٍ متتالية، كل واحدٍ منها يترك أثره، ويغادر دون اعتذار.
هناك أرواحٌ لا تنضج في المساحات الآمنة، ولا تكتشف ملامحها الحقيقية وهي محاطة بالتصفيق والطمأنينة. أرواح لا ترى نفسها كاملة إلا حين تُجرَّد من أوهامها، وتُنتزع منها تلك الصور المثالية التي رسمتها عن الناس، وعن الحب، وعن الحياة نفسها.
الكسر الأول لا يهدم الروح، بل يوقظها. يخبرها، للمرة الأولى، أن الثقة العمياء ليست فضيلة، وأن القلب المفتوح بلا حدود قد يتحوّل إلى فريسة. عندها تبدأ الروح في طرح الأسئلة، لا عن الآخرين، بل عن ذاتها: لماذا منحت؟ ولماذا صدّقت؟ ولماذا تجاهلت الإشارات؟
أما الكسر الثاني، فيأتي أكثر هدوءًا… وأكثر قسوة. لا يصاحبه صراخ، بل صمت طويل. هناك، تدرك الروح أن التعلّق المفرط ليس حبًا، بل خوفًا من الفراغ، وأن التمسك بما يؤلمنا لا يمنحنا قيمة، بل يسلبنا أنفسنا قطعةً قطعة. في هذا الكسر، تفقد الروح شيئًا عزيزًا، لكنها تربح وعيًا لا يُشترى.
وحين يأتي الكسر الثالث — إن جاء — لا يعود هدفه الإيلام، بل الفهم. عندها تعرف الروح أن النجاة ليست في الهروب من الألم، ولا في إنكاره، بل في الإصغاء إليه. تفهم أن بعض الأوجاع رسائل، وأن بعض الخسارات إنقاذ متأخر، وأن السلام الحقيقي لا يُولد من الخارج، بل يُصنع من الداخل.
تلك الأرواح لا تصبح أصلب، بل أصدق. لا ترتدي القسوة، ولا تتباهى بالقوة، لكنها تتخفف. يقلّ كلامها، ويزداد وعيها. لا تطرق كل باب، ولا تُبرّر غياب أحد، ولا تُجاهد لإقناع من لا يريد البقاء. تعرف متى تمنح، ومتى تنسحب، ومتى تكتفي بالصمت كأرقى أشكال الرد.
هي أرواح تنكسر… نعم، لكنها لا تنتظر من يُرمّمها. تتعلّم كيف تلملم شظاياها وحدها، كيف تختار سلامها الداخلي بدل علاقات مُرهِقة، وصدقها مع ذاتها بدل تصفيقٍ زائف. لا تسعى لأن تُفهَم، بل لأن تفهم نفسها أولًا.
النضج ليس أن نتجاوز الألم سريعًا،
ولا أن نتظاهر بالقوة،
بل أن نعرف لماذا تألمنا،
وماذا تغيّر فينا بعد كل وجع،
ومتى نُغلق الأبواب دون ضجيج،
ونمضي أخفّ… لكن أكثر حكمة.
فبعض الأرواح لا تزهر إلا بعد أن تنكسر،
ولا تهدأ إلا بعد أن تفهم،
ولا تنضج إلا حين تختار نفسها،
بلا ضجيج… وبلا ندم.























































