بقلم / عمار علي حسن
لم تعد للفاتيكان سلطةٌ مباشرةٌ على أي من النخب السياسية في العالم المسيحي، مثلما كان في القرون الوسطى عبر التحالف المتين بين السلطتين الدينية والزمنية. لكنه رغم ذلك، لا يزال قادرًا على ممارسة دور رمزي وأخلاقي واجتماعي لا يمكن إنكاره، بل لا غنى عنه، لدى القاعدة الشعبية العريضة، وبعض الشخصيات التي تصل إلى سدة الحكم حتى لو كانت آتيةً من أحزاب علمانية، أو لا يشكل الدين، بتعاليمه وطقوسه، محورًا لحياتها الخاصة.
لهذا، التفتت الأنظار إلى البابا الجديد الكاردينال روبرت بريفوست، الذي أصبح اسمه ليو الرابع عشر خلفًا للبابا الراحل فرنسيس الثاني. ولم يخلُ الأخذ والرد حول هذا الحدث، بمختلف اللغات وفي كل الثقافات وعند أتباع معتقدات عدة، من جر الفاتيكان إلى “المجال العالمي العام”، إن صح التعبير، لا سيما أن كثيرًا من أصحاب الحكمة والمصلحة معًا في كل مكان، يبدون تخوفًا حقيقيًا من انزلاق العالم إلى حرب عالمية ثالثة.
وما يزيد من هذا أن الإصلاحات التي أدخلها البابا الراحل، طالت بعض أوجه الحياة الاجتماعية على الأرض كلها، ولم تقتصر على المسيحيين، الكاثوليك تحديدًا، من خلال مناقشة قضايا حول حال الأسرة ومستقبلها، والعلاقة بين الرجل والمرأة، والمثلية الجنسية، وسياسات الهجرة، والإجهاض والموت الرحيم.. إلخ.
ربما تكون مصادفة هي التي وحدت بين تنصيب البابا الجديد والاحتفال بذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا لم يكن خافيًا على من انتظموا في التعليق علي أي من الحدثين، إذ جاء الربط بينهما شبه طبيعي، وليس من قبيل أوهام تجمع أشياء متفرقة لا تربطها علاقات منطقية. ولم يكن، في كل الأحوال مجرد نوع من الينبغيات أو التفكير بالتمني، إنما لأن الفاتيكان لا يعدم وسيلة للتأثير في قضايا محددة الآن.
ومن القضايا التي لن يعدم فيها بابا الفاتيكان تأثيره، انتشار الأيديولوجيات النازعة إلى التعصب لعرق أو فكرة، أو مسكونة بالثأر، أو مؤمنة بنظريات توسعية من قبيل “المجال الحيوي”، وهي مسألة يريد بعض أفراد النخب الحاكمة في الغرب من الفاتيكان أن يلعب دورًا ملموسًا فيها، وهناك اتفاق كبير عليها، جعلنا نرى الروس والألمان يحتفلون في وقت واحد بذكرى الانتصار على النازية.