كتب د / حسن اللبان
لم يكن مضيق هرمز يوما مجرد ممر مائي؛ كان سلاحا استراتيجيا بيد طهران، وورقة ضغط في مفاوضات ظلت تتجدد عقودا.
لكن المشهد بات مختلفا جذريا، إذ تتحرك الولايات المتحدة نحو تجريد إيران من هذه الورقة بالكامل، في خطوة يصفها المحللان زيد عيادات، رئيس مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية، ومهند العزاوي، الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية، بأنها “قلب للطاولة” على طهران، وفق ما يرى المحللان في حديثهما إلى سكاي نيوز عربية.
وأكد زيد عيادات أن المعادلة التي كانت قائمة قبل أشهر كانت تمنح إيران صلاحية القرار في المضيق؛ من يدخل، ومن يمنع، ومن تُفرض عليه إتاوات.
وقال إن السياسة الأميركية الجديدة تعني صراحة أن ورقة هرمز لم تعد ورقة إيرانية للتفاوض أو المساومة، مشيرا إلى أن واشنطن باتت تسعى إلى حرمان طهران من مكسبَين متلازمين: الضغط الاقتصادي المتأتي من تهديد الملاحة، وتوظيف المضيق في المساومة الدبلوماسية.
وفي تحليل أعمق، كشف عيادات عن “قانون تناقص المنفعة” الذي يحكم أوراق الضغط الاستراتيجية، قائلا: «مثل هذه الأوراق لها نعمة ولها نقمة، قيمتها في بداياتها ثم تصبح كلفة وعبئا على صاحبها، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم».
وأضاف أن هذا التحول لا ينفصل عن سياقه الأوسع، لافتا إلى أن الهدنة التي أُعلنت لم تأت دليلا على قوة إيرانية، بل جاءت “لأن إيران جلبت جلبا إلى طاولة التفاوض، وليس لديها ورقة إلا هرمز واليورانيوم المخصَب”، مستبعدا الروايات التي تصور الموقف الإيراني على أنه صمود أو انتصار.
من جهته، أشار مهند العزاوي إلى أن ترامب أدرك مبكرا أن الإيرانيين بدأوا يتعاملون مع المضيق لا بوصفه ورقة تفاوضية فحسب، بل مكسبا سياسيا واستراتيجيا وثروةً اقتصادية ثابتة، محذرا من أن التأخر في معالجة هذا الملف كان سيرسخ أمر واقع يصعب تفكيكه لاحقا.
إيران تفاوض على البقاء
وصف عيادات الموقف الإيراني في المفاوضات الجارية بأنه تفاوض على البقاء لا على الشروط، مؤكداً أن ما جرى في إسلام آباد كشف بوضوح أن الموقف الأميركي يتضمن ثلاثة متطلبات جوهرية: التخلي عن اليورانيوم المخصَّب، ضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي، وعودة المضيق إلى وضعه الطبيعي.
وقال: الأميركيون في إسلام آباد يفاوضون ما تبقى من النظام على ما تبقى من مقدراته، حتى يبقى في الحكم.
وعلى الصعيد نفسه، رأى العزاوي أن طهران وافقت على 7 نقاط تفاوضية تشمل الصواريخ والأذرع الإقليمية، غير أنها أبقت على نقطتَي الخلاف الجوهريتين: التخصيب والمخزون النووي، معتقدة أن الموافقة على سائر البنود سيضعف الموقف الأميركي ويدفعه نحو التنازل.
هدنة هشة وجبهات لم تتوقف
وحذر العزاوي من الخلط بين الهدنة المحدودة وتوقف الصراع الأشمل، موضحا أن الهدنة مقتصرة على مسرح العمليات الإيراني المباشر، في حين يواصل حزب الله إطلاق صواريخه، وتستمر الميليشيات في العراق بتهديد القوات الأميركية وإطلاق المسيرات، وكلا المسرحَين يقودهما الحرس الثوري الإيراني بصورة عملياتية مباشرة من الأراضي اللبنانية والعراقية.
وأكد أن الهدنة هشة وبإمكان الأمور أن تتطور وتعود بشكل عام على ثلاث جبهات.
وفي إشارة منهجية مهمة، حذر العزاوي من عكس الافتراضات كسيناريو أسوأ، قائلا: نحن دائماً نخشى السيناريو الأسوأ الذي هو عكس الافتراضات.. ماذا لو أن هذه الهدنة لن تطول؟.
وأضاف أن الإيرانيين أخطأوا في تقدير ردود الفعل على امتداد الأزمة؛ في تقدير قرار ترامب، وفي تقدير حجم القوة الأميركية، وفي تقدير ردة الفعل الدولي على سلوكهم.
وفي السياق ذاته، أشار عيادات إلى أن الهدنة ستستمر في الغالب إلى نهايتها، وقد تمتد، “إلا إذا ارتكبت إيران حماقة من شكل خاص، أو تصعيداً غير محسوب”.
وأوضح أن ما وضعه الأميركيون على الطاولة أمام الإيرانيين “حاسم فيما يتصل بكيف يتصرف الإيرانيون”، إذ لا خيار ثالثا بين القبول وإعادة الهجوم، مستبعدا أن يسعوا إلى انتهاك الهدنة وتقديم مبرر لضربة أميركية جديدة.
السيناريو الفنزويلي.. احتلال الجزر وقطع الإمداد
في كشف لخيارات أميركية متقدمة، رسم مهند العزاوي ملامح السيناريو الفنزويلي كبديل محتمل، قائلا إن ترامب قد يذهب إلى احتلال جزيرة، نشر الأسطول في الخليج والسيطرة عليها بشكل كامل، وربما أيضا السيطرة على مضيق أو أرخبيل.
وأضاف: بإمكان الجيش الأميركي القادر تنفيذ هذه الأمور، وهذا يحرم إيران بشكل كامل من القدرات الاقتصادية فتنهار.
وتابع العزاوي: النموذج الفنزويلي كان فيه تضييق كامل وحصار كامل على كل حركة من حركات فنزويلا حتى أن بلغوا.. هذا لا يمنع أن تكون بعدها عمليات إنزالات بالداخل، مرجحا أن الهدف قد يكون وحيدي وهو رئيس الحرس الثوري الآن الذي يسيطر على القرار الداخلي.
وفي تفصيل دقيق لقدرة إيران على إعادة التجميع، قال زيد عيادات إن “أسبوعين مدة غير كافية لإعادة بناء الصواريخ أو المصانع أو منصات الاطلاق لقلب موازين القوة”، لكنه أضاف أنها “فرصة للمراجعات الداخلية وتعميق الخلافات داخل القادة الإيرانيين”.
وتساءل: ما جدوى الاستمرار؟ ولماذا لا نُبقي على ما تبقى من قدرات النظام ونحاول إعادة إنتاج أنفسنا بسلطة أخرى، تعني تكيّف النظام لا تغييره. وأكد أن السلوك الأميركي عقلاني موضوعي متدرج وهادئ، وفي كل مرة كانت الاستجابة الإيرانية تأتي فقط على التهديد المشفوع بمصداقية عالية.
الخليج والأردن.. القلق المشروع من “غدر إيراني”
في ختام تصريحاته، نبه زيد عيادات إلى مسألة يعدها بالغة الأهمية بالنسبة للعالم العربي، وهي ضرورة اليقظة من أي اتفاق يبرم مع إيران على حساب المصالح الأمنية والاستراتيجية للخليج والأردن.
وقال: إذا كان هناك قلق فهو قلق مشروع، لأن الوجهة الأميركية تسعى إلى تحقيق مصالحها على المستوى العالمي.
وأشار العزاوي إلى “غدر النظام الإيراني”، قائلا: يعطي وعودا وضمانات، وبعد أن تبدأ الحرب بـ39 يوما من الضربات على كل دول الخليج، ما معنى أن هذا النظام الذي لا يفي بوعوده؟























































