عاجل

ميرتس يدعم “التخلص من النظام” في إيران ويدعو لإنهاء الحرب سريعا لحماية اقتصاد أوروبا
قائد عسكري مصري سابق: الحشد العسكري الأمريكي ليس موجها لإيران فقط
صلاح يجمع نجوم ليفربول على إفطار رمضان
محافظ الجيزة يشهد تسلُّم 4 أطنان لحوم من صكوك «الإطعام» لدعم الأسر الأولى بالرعاية
القاهرة..حملة مكبرة علي ميدان رمسيس والفجالة
الجيش الإيراني: استهدفنا حاملة الطائرات الأمريكية لينكولن بأربعة صواريخ كروز
وزير الدفاع الإسرائيلي: الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم هدف مشروع لنا اعتبارًا من الآن
محافظ الجيزة يفتتح أول “بنك دم” تجميعي بمستشفى إمبابة العام
إعلام إسرائيلي: تضرر 200 مبنى وإجلاء مئات السكان
تكلفة نقل النفط من الشرق الأوسط إلى الصين تتضاعف مع تصاعد الحرب في إيران
أكسيوس: قاذفات B1 الأمريكية قصفت مواقع صواريخ باليستية ومراكز قيادة في إيران
الخارجية: يجب وقف خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة
نتنياهو: العملية التي ننفذها مع الولايات المتحدة ضد إيران ستستمر مهما كلفنا الأمر
التعمير والإسكان: تنفيذ معاملات عبر «إنستا باي» بـ15.2 مليار جنيه
صندوق النقد الدولي يوافق على صرف 2.3 مليار دولار لمصر

# من واقع البيوت .. نماذج تُشوِّه معنى الرجولة

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

تُعد الرجولة في أصلها قِيمة أخلاقية، تقوم على “الاحتواء”؛ بمعنى التفهُّم والاستيعاب؛ ‏أي المشاركة والرعاية والمسؤولية، والحماية لو تطلَّب الأمر. إلا أن المجتمع المعاصِر ‏باتَ يشهد بروزَ نماذجَ “مشوَّهةٍ” من الرجولة، لا تمُت للإنسانية ولا للشهامة بصِلة؛ بل ‏تحوَّلت إلى فؤوس تهدِم أركان البيوت، وتخلُق فجوة عميقة بين الرجُل والمرأة.‏
وظهَرت على السطح مجموعة من النماذج، تسبَّبت في تقويض العلاقة الرئيسة في الحياة ‏بين الرجُل والمرأة؛ أي السكينة العاطفية والأُسرية، نماذج من الرجال حوَّلت الحياة إلى ‏جحيم، واقع تحترق فيه المرأة والرجُل معًا، في معظم الحالات.‏
وحين أتحدَّث عن هذه النماذج المشوَّهة من الرجال، لا أقصد أن أصوِّر المرأة مَلاكًا، أو ‏أنه ليس هناك نماذج مشوَّهة من النساء؛ بل على العكس، سأتناول في المقال القادم ‏نماذجَ محبِطةً من النساء، تتسبَّب هي الأخرى في هدْم الحياة الأُسرية.‏
بعض هذه النماذج المشوَّهة، التي طفَت على السطح، يمكن تسميتها بــ ((الرجُل ‏المتسلِّط))، الذي يعتقد أن الرجولة تُقاس بمدى فرْض السيطرة، وإلغاء شخصية المرأة. ‏وهو الذي يخلِط بين “القوامة” و”الاستبداد”، ولا يعرف الفرق بينهما. صاحب الصوت ‏العالي، والوجْه الصارم، الذي يحيل البيت من سكَنٍ آمِن إلى “ثكنة عسكرية”، يسودها ‏الخوف. هذا النوع يقتل المودَّة والرحمة، ويجعل المرأة تعيش في حالة دفاع دائم عن ‏النفس، أو استسلام مُهين، حين يسبُّها أو يضربها؛ مما يؤدي – في النهاية – إلى ‏انفجار العلاقة، أو موتها إكلينيكيًّا. كما يحدُث في بعض الحالات، أن تتخلَّص المرأة من ‏حياتها انتحارًا؛ لتنجُوَ من هذه القسوة والامتهان، أو يضطرها للتطاوُل عليه، وهنا تنمو ‏الكراهية، وتطغى على الرحمة والمودَّة، وتستبدِل السجونَ الخانقة بالبيوتِ.‏
وهناك أيضا ((الرجُل الاتِّكَالي))، أو ما يُسمَّى بالرجُل الطفل، هذا النموذج يهرُب من ‏مسؤولياته المادية والمعنوية، ويلقيها كاملة على عاتق المرأة. يحضُر بجسده؛ لكنه غائب ‏بقراراته ودعْمه. حياة المرأة مع هذا الرجُل تضطرها للقيام بدور”الأب والأم معًا”، مما ‏يسبِّب لها استهلاكًا، وضغوطًا جَمَّةً واحتراقًا نفسيًّا؛ حيث تشعر المرأة أنها “الرجُل” في ‏العلاقة؛ فتفتقد احترامها له كشريك، والاحترام هو العمود الفقري لأيِّ زواج ناجح.‏
ــ هناك أيضا ((الرجُل النرجسي))، الذي يشعُر أنه محور الكون؛ حيث احتياجاته، ‏وراحته، ورغباته هي الأولوية القصوى، “أنا رَب البيت؛ ومن ثم أرواحكم ومقدراتكم”، بينما ‏يتم تهميش مشاعر الزوجة واحتياجاتها ووجودها. فهو لا يرى في المرأة شريكًا؛ بل “أداة” ‏لخدمة صورته الذاتية، فيمارس التلاعب العاطفي، ويُشعِر المرأة دائمًا بالذنب والتقصير. ‏وينتقد بلا توقُّف كل تصرُّف تأتي به الزوجة، هذا التشويه يجعل العلاقة قائمة على ‏الاستنزاف، وليس التبادُل، مما يؤدِّي إلى انهيار الصحة النفسية للأُسرة ككل.‏
ــ كما أن هناك الرجُل ((المنفصِل عاطفيًّا))، الصامت الذي يشبه الصنَم، وهو الرجُل ‏الذي يرى أن التعبير عن المشاعر، أو الحوار، أو إظهار الضَّعف والاحتياج، نقْصٌ في ‏‏”رجولته”. ويعتمد على الصمت العِقابي، أو الجفَاء كأداة للتعامُل، ويفسِّر سلوكه أحيانًا ‏بالترفُّع، ويتجنَّب المواجهات، في حين أن الجفاء العاطفي هو “السُّم البطيء” للبيوت؛ ‏حيث تحتاج المرأة بطبيعتها إلى الأمان العاطفي، كما يتسبَّب غيابه عن المشاركة ‏والحوار والتفاعل في شعورها بالوحدة داخل بيتها، وفي العالم، وهو ما يدفَع العلاقة نحو ‏الطلاق الصامت أو الفِعلي.‏
وأحسب أننا بحاجة إلى إعادة بناء المفهوم الصحيح للرجولة الحقيقية، فالرجولة ليست في ‏ممارسة القوة “على” المرأة، ولا في التعالي عليها، ولا الانفصال وعدم المشاركة في ‏الحياة، ولا الترفُّع، كما يدَّعي البعض؛ بل في استخدام القوة “من أجْل” حماية واستقرار ‏الأُسرة. بينما تكمُن الرجولة في الإيمان بالمشاركة لخلْق طَعْم وذائقة ورائحة للأيام، ‏فالزواج “شَرَاكة” وليس “تبعيَّة”، واستيعاب أن اللين في التعامُل هو قمة القوة، وليس ‏ضَعْفًا، وإدراكًا لأهمية الوجود في تفاصيل الحياة، وتربية الأبناء، وليس الوجود فقط ‏كمموِّل مادي. واعتبار كرامة الزوجة وعِزة نفسها وسعادتها من كرامته وعِزته الشخصية ‏وسعادته.


ويتطلَّب إصلاحُ العلاقات والبيوت العودةَ إلى مفاهيم الخطابات المحرِّضة، أو التقليدية ‏المشوَّهة، التي أراها “المصنع”، الذي ينتِج هذه النماذجَ. وضرورة تفكيكها ومناقشة ما ‏تتسبَّب فيه من مشكلات؛ لتفادي استفحال وجود هذه النماذج، حيث يجب أن نتصدى ‏للأفكار والمقولات، التي تروِّج لهذه الرجولة المزيَّفة، فحين يكرِّر الرجال والنساء مقولة أو ‏خطاب “الرجُل لا يعيبه إلا جِيبه”؛ يختزلون الرجولة في المال فقط، وأحسب أن هذا ‏الخطابَ من أخطر الأفكار التي تهدِم البيوت؛ لأنه يعطي الضوء الأخضر للرجُل ليكون ‏سيِّئَ الأخلاق، أو جافَّ العاطفة، أو غير مسؤول تربويًّا، طالما أنه يُنفِق. هذا الخطاب ‏يخلُق “صرَّافًا آليًّا” وليس “شريك حياة”، ويجعل الرجُل يشعُر بالاستحقاق الزائد مقابل ‏المال.‏
كما أن خطاب “اكْسر للمرأة ضِلْعًا..” القائم على ثقافة الترهيب، يتسبَّب ضمْن خطابات ‏اجتماعية أخرى موروثة في تحريض الرجُل على استخدام القوة، أو “العين الحمراء”، منذ ‏اليوم الأول في الزواج؛ لفرْض السيطرة، حيث يصوِّر العلاقة الزوجية كأنها “حرب”، ‏يجب أن يكون فيها منتصِر ومهزوم. هذا الخطاب يقتُل الأمان، وبدون أمان لا يمكن ‏للمرأة أن تقدِّم مودَّتَها؛ فتتحول البيوت إلى ساحات للصراع الخَفي أو القمْع.‏
كما أن خطابَ “الرجُل لا يبكي ولا يعبِّر عن مشاعره” مغالِطٌ، وتظَل آثاره مدمِّرة؛ حيث ‏يتم تربية الصِّبْيَة على أن إظهار العاطفة “ضَعْف” أو “تشبُّه بالنساء”؛ فيَنتج عنه رجال ‏مصَابون بـ “الخرس الزوجي” أو الجفاف العاطفي. الرجُل الذي لا يستطيع التعبير عن ‏حُبه أو حُزنه، يلجأ غالبًا للغضب كطريقة وحيدة للتعبير، مما يدمِّر التواصُل مع الزوجة ‏والأبناء.‏
كما أن التفسير الخاطئَ للقوامة خطابٌ يصوِّر الرجُلَ “إلهًا” صغيرًا في بيته، لا يُسأل عمَّا ‏يفعل، والجميع عليه الطاعة دون نقاش، هذا الخطاب يلغي مبدأ “الشورى” و”المشارَكة”. ‏في حين أن القوامة في جوهرها “خدمة” ورعاية، وليست امتيازًا للتسلُّط. فعندما يتبنَّى ‏الرجُل خطاب السيادة المطْلَقة؛ فإنه يهدِم إنسانيةَ الطرف الآخَر.‏
وتظهر آثار خطاب “الرجُل الخارق القوي” مدمِّرةً لنفسية المرأة؛ حيث تبرِّر للرجُل نزواته، ‏بحُجَّة “غريزته”، هذا الخطاب الادعائي يجعل الرجُل يشعر أن الالتزام والوفاء واللين ‏صفاتٌ “ناعمة ومحدودة”، لا تليق ببطولاته وإمكاناته؛ مما يدفعه للبحث عن إثبات ‏رجولته في علاقات متعددة، أو سلوكيات عدوانية خارجة عن إطار الاستقرار الأُسري.‏
وبقليل من العقلانية، لو فنَّدنا هذه الخطاباتِ؛ لوجدناها “تُربة سامة”، تنبِت علاقاتٍ ‏مشوَّهةً. وأحسب أن الحَل يبدأ باستبدال خطاب المسؤولية والمودَّة بمثل هذه المقولات ‏والخطابات، الذي يرى في الرجُل “السنَد”، وفي المرأة “الشريك”، والذي يُعلِي من قيمة ‏الإنسانية، التي أول دعائمها الأخلاق والاحتواء فوق القوة المادية والبدنية.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net