كتب / رضا اللبان
عمر أميراً للمؤمنين
وصل الرسول الذي يحمل كتاب أمير المؤمنين ، إلى دمشق بينما كان الحصار مضروباً حولها ، ولم تكن المعركة ضد قوة النجدة الرومانية ، قد نشبت بعد ، وكان الرسول الذي يحمل الكتاب ، يعرف محتوى الرسالة ، وكان رجلاً ذكياً ، وأدرك المدى السيء ، الذي يحدثه كتاب أمير المؤمنين ، على جيش المسلمين ، وهم في حالة حرب مع العدو ، لذلك كان يخبر كل رجلٌ يقابله ، بأن الأمور على ما يرام ، وأن التعزيزات في طريقها للمسلمين ، ثم ذهب إلى خيمة أبي عبيدة ، ولم يكن معه أحد ، وسلمه الكتاب .
وعندما قرأ أبو عبيدة الكتاب ، أصيب بالذهول ، وكان لا يتمنى أن يحدث هذا ، فهو يعرف أن خالداً رمزاً للجيش ، وأن وجوده على رأس الجيش ، كان عاملاً مهماً في إنتصار المسلمين ، كما أن تغيير القيادة سيكون له تأثير عكسي ، خاصة وأن المسلمون مشغولين بحصار عنيف لم تظهر دلالة على انتصارهم فيه ، ولن يقتنع الجنود بسهولة ، بتغيير القيادة ، ثم إن ابا عبيدة ، لم يكن يرغب في القيادة ، لأن المعركة تسير بشكل جيد ، تحت قيادة خالد ، فقرر أبو عبيدة ألا يذكر شيء ، عن موت أبو بكر ، أو تغيير القيادة ، إلا بعد إنتهاء الحصار ، وعلم من الرسول ، أنه لم يخبر أحد بالأمر ، فحذرة أبو عبيدة من إفشاء مضمونة ، وظل الجيش وخالد لا يعرفون شيء .
وحتى يوم الفتح في دمشق ، لم يُشر أبو عبيدة إلى ذلك ، أثناء النقاش الحاد مع خالد ، فلو فعل ، تكون هذة طعنة كبيرة لخالد ، أمام العدو والصديق ، ولكن أبو عبيدة لم يفعل ، ولذلك وقع خالد الإتفاقية مع أهل دمشق ، وليس أبو عبيدة ،
وبعد عودة خالد ، من الإغارة على مرج الديباج ، ببضع ساعات ، أخذه أبو عبيدة جانباً ، وأخبره بموت أبو بكر ، وتعيين الخليفة الجديد ، وأعطاه الكتاب ليقرأه ، قرأ خالد الكتاب ببطئ ، وعلم أنه معزولاً من القيادة ، وأصبح أبو عبيدة قائداً عاماً للقوات ، وعلم خالد من تاريخ الرسالة ، أنها أرسلت من شهر أو أكثر ، فنظر إلى أبو عبيدة وسأله ، ( لماذا أخفيت هذا عني ، رحمك الله ، فقال أبو عبيدة : لم أرغب في إضعاف سلطانك ، وأنت مشتبك مع العدو ) ٠
وسَرَح خالد بأفكاره ، وهو يفكر في أبو بكر ، صاحبه ومرشده والمحسن إليه ، ونظر إلى أبو عبيدة ، بعين العاطفة والحيرة ، وقال : رحم الله أبا بكر ، وسار خالد ببطئ إلى خيمته ، وظل خالداً يبكي طوال الليل ، حزناً على أبو بكر ، وللحق فقد بين عمر أسباب العزل ، وقال لقد ركن الناس إلى خالد ، وخشيت أن يفتنوا به ، وينسوا أن الله هو الصانع لكل نصر ، وخشيت أن يغتر خالد بنفسه فيورد المسلمين المهالك ، ثم اردف عمر قائلاً ، لقد كان أبو بكر من أهل الفضل واللين ، وكان قائده خالد من أهل الشدة والحزم ، وأنا رجل شديد ، وأبو عبيدة رجل من أهل الفضل ، فجئت به لخلط شدتي بفضله فيستوي الأمر •
وفي صباح اليوم التالي ، جُمِعَ الجيش ، وأُبْلغ بموت أبو بكر ، وتولى عمر الخلافة ، وأبو عبيدة القيادة ، وأقسم المسلمون في دمشق ، يمين الولاء للخليفة ، والقائد الجديد ، ولم يُظهر خالد أي تصرف ، يدل على استيائه وغضبه ، نتيجة عزله ، وكان يقول لأصدقائه ، إذا مات أبو بكر ، وتولى عمر الخلافة فعلينا السمع والطاعة ، وفي سابقة لم تحدث في التاريخ ، فعندما يعزل قائد عن قيادته ، فإنه يحال إلى التقاعد ، وإن كان لابد له من الخدمة ، فإنه ينقل إلى مسرح عمليات أخر ، أما خالد فلا ، فقد كان قدره الفتوحات ، وميادين القتال ، فقد ظل خالد في نفس مسرح العمليات ، وفي نفس الجيش ، وقاتل كأي جندي عادي ، تحت قيادة أبو عبيدة ، وبنفس الاندفاع والحماس المعتاد عليه،
إن التغيير الذي حدث في الخلافة ، والقيادة ، كان له أثر على الصعيد العسكري ، أساليب عمر كانت تختلف كلياً عن سلفه ، فبينما كان أبو بكر يعطي قادته ، مهمتهم ومنطقة العمليات ، ويترك لهم قيادة الحمله ، نجد أن عمر يحدد في أوامره ، أهداف معينة لكل معركة ، وكان يتدخل في أدق التفاصيل ، حتى أنه يذكر ، من يقود الجناح الأيسر ، ومن يقود الجناح الأيمن ، وإحقاقاً للحق ، فإن النظام الذي أنشأه عمر في القيادة ، جعل من كل قادة المسلمين خالد بن الوليد جديد ، وجعل القيادة شيئ وقتي ، بحيث يكون أحدهم قائد اليوم ، وغداً غيره ، وفي نهاية الفتوحات في بلاد الشام ، أصبح لدينا عمرو بن العاص ، وشرحبيل ، وضرار ، يزيد ، ومعاوية ، كل هؤلاء ، كانوا نتاج تجربة عمر بن الخطاب ، كما أوجد عمر نظام العيون في الجيش ، ليعرف كل شيء ، عن أحوال الجيش ، وما يدور فيه ٠
قرر عمر أن يستمر قادة الألوية ، في تنفيذ المهام ، الموكلة إليهم من أبو بكر ، عمرو بن العاص ، يكون قائدا في فلسطين ، ويزيد في دمشق ، وشرحبيل في الأردن ، وأبو عبيدة في حمص ، ولم تقتصر مهام القادة ، على الناحية العسكرية فقط ، بل كان كل قائد لواء ، حاكماً إداريا في منطقة عملياته ، وكان خالد تحت قيادة أبو عبيدة ، فسلمه أبو عبيدة قيادة لواء العراق ، الذي كان يضم الحرس المتحرك ، وكان خالد متساويا ً ، مع قادة الأولوية في الرتبة ، مع فارق أنه يقود أكثر ألوية الجيش قوة ومهارة •
كما أمر عمر بن الخطاب ، أن تكون القيادة ، لكل قائد لواء في منطقة عملياته على باقي القادة إذا اجتمعوا ، بمعنى أنه ، لو اجتمع أبو عبيدة وشرحبيل ، في منطقة عمليات شرحبيل ، تكون القيادة ل شرحبيل ، على أبو عبيدة ، لأنه أدرى بمنطقة عملياته ، من غيره ، وأصبحت الفتوحات في عهد أبو عبيدة ، تسير ببطئ ، ولكن الإنتصارات ما تزال قائمة ، نظرا لأن طريقة أبو عبيدة ، كانت دعوية أكثر منها قتالية ، على العلم أن أبو عبيدة ، كان مقاتلاً عظيماً ، وكان ماهراً في إستخدام السيف ، ولأنه تعلم الكثير والكثير ، من أبو سليمان ، سيف الله ، خالد بن الوليد ٠






















































