بقلم دكتور / صلاح سالم
مقال الثلاثاء..محاولة نقدية لفكر ومسيرة الراحل مراد وهبة
مدخل إلى عالم مراد وهبة
ترددت كثيرا في كتابة هذا المقال، فما أصعب الكتابة الموضوعية عن شخص مثير للجدل في لحظة رحيله المشحونة بالانفعالات سواء المحبة له أو الناقمة عليه كالدكتور مراد وهبة الذي عاش قرنا من الزمن، فعاصر أجيالا من المفكرين المصريين، ورافق مراحل تحول العقل المصري. لكنني تجاوزت ترددي تحت ضغط الشعور بواجب الشهادة على رجل احتل موقعا مركزيا في جدلنا الفكري خصوصا بعد توالي رحيل الكبار نهاية ثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن الماضي. لقد هالني عمق الانقسام حوله بين من يراه فيلسوفا رائدا، حمل مشعل التنوير والعلمانية، عاش مهموما بنشر العقلانية وبناء الدولة المدنية، وبين من جعله مجرد أستاذ فلسفة مارق على الثقافة العربية، حابى الصهيونية وحاول نشر الإلحاد في مصر والعالم العربي، وبين من استكثر عليه رحمة الله فاستنكر موقف من يطلبونها له. ولأجل أن يكون نقاشنا مثمرا يحسن بنا التمييز ابتداء بين نوعين من الرجال تكفي النظرة المتأملة لإدراك وجودهما بيننا في شتى مجالات الحياة: في العلم والفكر والأدب والفن والدين، لكل منهما دوره، ووسائله. النوع الأول هو المبدع الخالص، المهموم بمجال إبداعه، المغروس فيه والعائش له، والذي يتحول بمرور الوقت إلى ناسك يتعبد في محرابه، لا يعنيه عوائد نشاطه اليومي، ولا ثمار جهده المباشرة، متطلعا في يقين إلى نوع من الخلود الروحي يثق أنه آت لا محالة، فإن خذله الناس والزمن كفاه الشعور الداخلي بأنه أدي واجبه الشخصي ونهض برسالته الإنسانية، على ذلك النحو الذي يملأ عالمه الباطني بالمعني. في هذا المحراب يقيم المفكر الحقيقي، والأديب العظيم والعالم الرائد والفنان المبدع والفقيه المجدد: جمال حمدان وزكي نجيب محمود ونجيب محفوظ وأحمد زويل وأم كلثوم والإمام محمد عبده، على سبيل المثال لا الحصر. والنوع الثاني يمكن تسميته بالناشط الثقافي، الذي يرتبط نشاطه بأحد مجالات الإبداع، لكنه لا يقيم داخله ولا يفني فيه، بل ينطلق منه إلى خارجه، يضع فيه قدمه ناظرا إلى ما وراءه. قد يكون هذا الناشط أستاذا للفلسفة أو مؤرخا لها لكنه ليس فيلسوفا حقيقيا. وربما كان ناقدا أدبيا جيدا ولكنه ليس أديبا مبدعا. مروجا للثقافة العلمية لكنه ليس عالما. داعية مفوها للدين لكنه ليس فقيها ولا مجددا.
في حالة السواء الثقافي يفترض أن يحتل المبدع الخالص مكانه في المركز والقلب، وأن يحتل الناشط الثقافي حيزا مكملا في محيط الدائرة، وأن يتكامل دورهما، فيقوم الناشط بشرح وتقديم وترويج نتاج المبدع، وأن يتعامل الناس معه على أنه جسر للأفكار لا مصدرا لها. لكن أزمنة الترهل الثقافي غالبا ما تشهد سقوط الحدود، وربما تبدل المواقع، فيصير الناشط الثقافي أكثر حضورا وألقا بين الناس من المبدع الخالص. فالأخير مختبئ في برج يقال أنه عاجي، زاهدا في صخب النشاط اليومي، مشغول بمراكمة تجاربه وتعميق خبراته الإبداعية بعيدا عن العيون. أما الأول فحاضر في كل نقاش، مشارك في كل اجتماع، مجبول على حب الظهور. وفيما يبدو المبدع الخالص كصانع حقيقي، أصابه الإجهاد الناجم عن طول معاناته، وثقل مسئوليته، فلم تعد لديه طاقة يبذلها في مجاملة أحد، يبدو الناشط الثقافي، على العكس، كدبلوماسي أنيق، رهيف السلوك عذب اللسان، قادر على بناء شبكات واسعة من المريدين والأصدقاء والترويج لكل ما يصدر عنه من نشاط. بفعل ذلك الاختلاف في جوهر التكوين وفي نمط التعبير عن الذات، يبدو حضور الناشط أكثر جاذبية، إلى درجة ينسى معها الناس المبدع ويتحلقون حول الناشط، وهنا تنفجر بالدلالة ظاهرة دعاة الدين الجدد، الذين أقاموا جدران عالية وعازلة أمام حضور الفقهاء الكبار، وسبقوهم إلى حصاد العوائد المادية والأدبية، رغم أن بعضهم لا يحسن سوى الكلام الرنان وتبسيط الأمور واختزال المعاني، وهو ما ينطبق بدرجات مختلفة على كل مجالات الإبداع: أدبا وفكرا وفنا وعلما.
ينشد المبدع الخالص أكثر صور الحقيقة موضوعية، يجد في البحث عنها إلى درجة التألم. يرى في كل كلمة يقولها أو يكتبها شهادة أخيرة على عالمه أمام قاضي يقيم دائما في أعماقه، فلابد وأن تكون صادقة ونزيهة وإلا أودت بحياة البعض، أو أعاقت حريتهم، وهو أمر مثير للقلق، مرهق للروح والبدن. الحقيقة هنا ليست بالضرورة مقولة يعلنها على الناس لينتهي بعدها كل شيء، على منوال نهاية التاريخ، موت الإله، نهاية الفلسفة، أفول الأيديولوجية، بل هي جوهر إبداعه، المثال السامق الذي ينبغي عليه بلوغه قبل أن يرضى عنه وعن نفسه، حتى أن لمسة ريشة في غير مكانها من لوحة أو كلمة ليست في موضعها من مقال تكاد تقض مضجعه وتسلبه النوم الهادئ. تلزمه الموضوعية بأن يأتي طرحة متعدد الأبعاد، مشحون بالتفاصيل، مفتوح على جميع المسارات والاحتمالات. يثقل ذلك على المتلقي لإبداعه، فيمل منه وينصرف عنه، أللهم سوى نفر قليل من الواعين لقيمته، والذي يخلدونه في ضمائرهم. أما الناشط فلا يعبأ بتلك المعاناة، يعرف أن الجمهور لا يصبر على كثرة الاحتمالات، ولا يستسيغ البحث في وجوه الحقيقة المتعددة، يفضل استخلاص النتائج السريعة، حبذا لو كانت بسيطة وقاطعة، تمكنه من اتخاذ مواقفه بسرعة ودون عناء. لذا يميل الناشط الثقافي دائما إلى التبسيط والاختزال، وأحيانا إلى المراوغة والمناورة، يقول لجمهوره ما يتوقعه ويرضيه، ولو كان صادما لغير أنصاره ومريديه، فعدم رضا الأنصار وليس الخوف على الحقيقة هو ما يبث فيه الشعور بالقلق، ولذا يحرص على كسب ذلك الرضا أكثر مما يحرص على الانتصار للحقيقة. ولكن ما علاقة ذلك كله بالراحل الكبير د.مراد وهبة؟.. للحديث بقية.























































