كتب – محمد شعبان
لقد كان قراقوش (ت 597هـ)، الرجل القوي صاحب الهمة الواسعة الذي ينوبه صلاح الدين على مصر حين يتوجه إلى الشام لجهاد الصليبيين، ومع بداية الدولة الفاطمية، كان في القاهرة كثير من الأشخاص الذين يرمقون قراقوش بعين الحسد على مكانته تلك، وفى مقدمتهم ناظر النظار الوزير الأديب والمؤرخ الأسعد بن مماتي، ناظر ديواني الجيش والمالية (ت606هـ).
لقد كانت العلاقة سيئة بين الرجلين، فقرر ابن مماتي أن يشوه صورة قراقوش بكتاب جمع فيه فظائع مختلقة ارتكبها قراقوش بحق الفاطميين وغيرهم، واسماه “الفاشوش فى حكم قراقوش”.
قراقوش فى عيون التاريخ
ورغم أن ابن مماتي كان ثقة في مؤلفاته الأخرى، ولاسيما كتاب “قوانين الدواوين” الذي يُعد موسوعة إدارية ومالية لحالة البلاد المصرية خلال القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، إلا أن كبار المؤرخين قد أخذوا عليه تلك الأوصاف بحق قراقوش وانتقدوها وشككوا بها.
فقد قال عنه القاضي المؤرخ شمس الدين بن خلكان (ت681هـ) في موسوعته “وفيات الأعيان وأنباء أبناء أهل الزمان” :«وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه، والظاهر أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان معتمدا في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته، ما فوضها إليه».
أما ابن العماد الحنبلي (1089هـ) في موسوعته “شذرات الذهب فى أخبار من ذهب” فقد ترجم لسيرة حياة قراقوش، قائلا:«الأمير الكبير الخادم بهاء الدين الأبيض، فتى الملك أسد الدين شيركوه، وقد وضعوا عليه خرافات لا تصح، ولولا وثوق صلاح الدين بعقله لما سلَّم إليه عكا وغيرها، وكانت له رغبة في الخير وآثار حسنة».
لقد حظي قراقوش أيضا بشهادة المعاصرين له، وفى الصدر منهم العماد الأصفهاني (597هـ)، كاتب صلاح الدين وسكرتيره الخاص، فقد ذكر مناقب قراقوش فى كتابه “الفتح القسي فى الفتح القدسي” فأوضح أن السلطان صلاح الدين لما استقل بالديار المصرية جعل له زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوّض أمورها إليه، واعتمد في تدبير أحوالها عليه، وكان رجلاً مسعودًا، حسن المقاصد، جميل النية، وصاحب همة عالية، فآثاره تدل على ذلك، فهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة، ومصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، وبنى القناطر التى بالجيزة على طريق الأهرام، وعمّر بالقدس رباطا، وعلى باب الفتوج بظاهر خان سبيل القاهرة، وله وقف كثير لا يعرف مصرفه.
ومثلما كانت لقراقوش جهوده في العمران، كان له جهاده أمام الصليبيين، فقد أوكل إليه السلطان صلاح الدين حماية ساحل عكا مع قدوم الحملة الصليبية الثالثة عام 585هـ التي جاءت إلى المشرق بقيادة ملك الإنجليز ريتشارد قلب الأسد وفيليب أغسطس ملك فرنسا، وظلت حامية عكا تدافع بكل بسالة عن المدينة الساحلية طيلة عامين من 586 حتى 585هـ، حتى دخل الصليبيون أسوارها عنوة، ووقع قراقوش في الأسر، وقُتل نحو 2700 أسير مسلم، وافتدى قراقوش نفسه بعد أن دفع 10 آلاف دينار، وقد ظل قراقوش موضع ثقة صلاح الدين وأولاده حتى توفى في مصر عام 597هـ.
أما ابن مماتي صاحب كتاب “الفاشوش” فسرعان ما غضب عليه الملك العادل شقيق صلاح الدين وصادر أمواله وأودعه السجن، إلا أن نجح في الهرب إلى حلب سنة 604هـ، قاصدا ملكها الظاهر غازي بن صلاح الدين الذي استقبله، ومات بها سنة 606هـ.






















































