بقلم دكتور / عمار علي حسن
منذ فترة علت أصوات تنادي بما أسمتها “ثورة الغلابة”. قد يكون هذا مجرد تغيير في الإسم أو الشعار والتوصيف والتركيب المتكرر لما يمكن أن تكون “ثورة جياع”، التي هي بدورها أقرب إلى توسيع وتعميق لما جرى في 17 و18 يناير عام 1977، وسمي “انتفاضة الخبز”. وبغض النظر عن العنوان أو اللافتة، يثار التساؤل: هل يمكن أن يحدث تغيير حقيقي في ركاب أي من هذه الأوصاف؟ وأي قوة هذه التي يمكنها أن تحول الفوضى التي تثار لسبب اقتصادي حاد، إلى قوة دفع سياسية الطابع؟
في هذا الشأن، ينقسم الناس إلى فريقين، الأول يرى أن “الجوعى لا يثورون” وأن الحكمة السابغة التي تقول: “جوَّع كلبك يتبعك” لا تخلو من توصيف حقيقة إنسانية وتاريخية. أما الثاني فيرى العكس ويحذر من غضب أصحاب البطون الخاوية. ومن يدقق النظر مليّا في هذين الرأيين، يجد الخلاف الحقيقي بينهما ينصب حول توصيف جوهر الفعل الناجم عن غضب الجائعين، فهل هو “ثورة” أم مجرد “هبة” أو “غضبة” تثور كبركان هائج، ثم لا تلبث أن تخمد، تاركة وراءها خسرانا مبينا.
وأنصار الفريق الأول يقيمون رأيهم على فهم سائد لمعنى الثورة وطبيعتها، إذ يجب أن تقوم على أكتاف تنظيم سياسي، حزبا كان أو حركة، ولها قيادة معلنة يعرفها الناس، وتملك خطة عمل أو على الأقل رؤية للتغيير، تعبر عن مضمونها في البيان الأول للثوار، أو في شعارات تخدم دعوتهم الناس لنزول إلى الشوارع. وأتباع الفريق الثاني يحيلون إلى ما توصف بـ “الثورات الشعبية”، التي عرفها العالم في العقود الأخيرة، حين تهبط الجموع إلى الشوارع غاضبة، بلا قيادة ولا خطة، وكل ما في يدها وعلى ألسنتها مطالب محددة، قد تكون قصيرة الأمد، وقد لا يبقى هؤلاء المطالبون متماسكين إلى النهاية، بما يضمن إحداث تغيير حقيقي، إنما سرعان ما ينفضون مكتفين بما وصلوا إليه، غير مقدرين ما يمكن أن تفعله القوى المضادة للثورة في سبيل إعادة العجلة إلى الوراء، لكن، مع هذا، يبقى هناك شيء إيجابي قد صنعته هذه الثورات، سيدركه الناس فيما بعد.
والحقيقة أن الحديث عن “ثورة جياع”، سواء كورقة ضغط على السلطة أو إبداء مخاوف حقيقية، يتجدد في مصر، من آن إلى آخر، في ظروف معينة، يمكن تحديدها في:
1 ـ تدهور الأوضاع الاقتصادية، إذ لا يمكن الحديث عن جوع قادم إلا في ظل فقر مدقع، تتسع دوائره، بفعل تراجع الإنتاج وسوء إدراة الثروة وتوزيعها وتراكم الديون، ولا يلوح في الأفق ما يحد من هذا الفقر ويوقفه، في وقت لا تأخذ فيه السلطة السياسية أوجاع الفقراء في الحسبان.
2 ـ وجود حالة من “موت السياسة” أو تغييبها، بما يجعل بعض النخب لا تفكر في تغيير آت من خلال عمل سياسي قوي ومغاير، ويلقون بالتبعة على عاتق الجائعين، بوصفهم الأكثر استعدادا للغضب والتمرد والخروج، حنقا أو انتقاما أو لفتا للانتباه، أو لتساوي الموت والحياة عندهم.
3 ـ تشديد الرقابة على الفاعلين السياسيين، أو شل قدراتهم تماما بالترهيب والترغيب، أو بالمطاردة والاستمالة، بما لا يجعلهم رأس حربة في أي ضغط يمارس على السلطة السياسية في سبيل اتخاذ إجراءات للإصلاح السياسي والاقتصادي، تؤدي إلى تحسين الأحوال، أو تغيير الأوضاع إلى الأفضل. ويعول هؤلاء بعد تعويقهم على “القوى غير المراقبة” بأن تلعب هي هذا الدور في الضغط، إن انفجرت في وجه السلطة، حتى ولو من خلال هبة عابرة، بما يجعلها تعود إلى “الحل السياسي” في ركاب إجراءات اقتصادية مخففة بالطبع، وهنا تجد القوى السياسية المقموعة فرصة لتعويم نفسها. ويمكن أن تستفيد هذه القوى من مجرد التحذير من ثورة جياع أو التلويح بها.
4 ـ مع صعود الشعبوية في كل مجال واتجاه، وتراجع دور قادة الرأي، يمكن توقع دخول الناس إلى الساحة العامة لمواجهة السلطة مباشرة، دون وسائط من مؤسسات أو أفراد، بغية الدفاع عن مصالحهم بأنفسهم، لاسيما أن السلطة نفسها حريصة على عدم وجود هذه الوسائط، حتى يظل البديل السياسي، المسنود على قاعدة اجتماعية، معدوما طوال الوقت.
5 ـ هؤلاء الجياع، أو من هم على أبواب الجوع، أو الفقراء بشكل عام، غير ممثلين سياسيا، فالبرلمان بغرفتيه، ليس فيه من يتبنى مطالبهم على الدوام، وقراراته وقوانينه ذات نزوع يميني ظاهر، تترجم مصلحة الممكنين ماديا، وتدافع عنها بلا هوادة. وغياب تمثيل الفقراء، والتعبير عن مصالحهم، لاسيما في ظل القيود المفروضة على الإعلام بشتى أنواعه، يعزز تحركهم بأنفسهم لانتزاع حقوقهم، أو على الأقل التنبيه إلى مشكلاتهم المعقدة.
لكن الرهان على الجياع في إحداث تغيير سياسي يبدو خاسرا إلى حد بعيد، فهؤلاء لا يفكرون في “ثورة” بمعناها المتكامل، إنما يهمهم أن يصل صوتهم عبر غضب عارم، إلى السلطة السياسية، كي ينبهها إلى معاناتهم الشديدة، وبالتالي تتخذ الإجراءات التي تخفف عنهم. كما أن بعضهم لا يعنيه شيء من هذا، إنما يجد في أتون الغضب فرصة سانحة لنهب أو خطف أي شيء.
إن الفقر المدقع قد يكون أحد العوامل التي تساعد على اندلاع ثورة، لكنه وحده ليس كافيا لحدوث ذلك، إنما يجب أن تمضي معه، جنبا إلى جنب، عوامل أخرى، بل إن بعضها يتقدم عليه خطوات. والناظر إلى ثورة يناير يدرك هذا جيدا، فقد قامت لهدف سياسي، فنزل الناس إلى الشوارع بغزارة، وغذى نزولهم الظرف الاقتصادي الصعب من دون شك، وإن كان هناك من يعتقد أن مثل هذا الظرف، بقدر ما أمد الثورة في البداية بجمهور متواصل ساعد إلى إبقاء جذوتها مشتعلة حتى رحيل مبارك، فإنه عمل فيما بعد على تفريغ الثورة تدريجيا من المضمون السياسي، من خلال ما أطلق عليه وقتها “المطالب الفئوية”، إذ رفع أصحاب كل مهنة مطلبا ماديا يخصهم، وهي إن كانت مطالب مشروعة نابعة من مظالم مؤجلة، فإنها أعطت القوة المضادة للثورة فرصة كي تلتف على المشروع السياسي، متذرعة بالآثار الاقتصادية السلبية المؤقتة للفعل الثوري، والتي تم النفخ فيها وتضخيمها عبر حديث صاخب متواصل عن “تعطيل عجلة الإنتاج”، وهذا عمل على حرمان الثورة من القاعدة الاجتماعية المؤمن بإحالة كل ما هو اقتصادي إلى السياسة، والتي كان يتكيء عليها الثوار.
إن من صنع ثورة يناير هم، في الغالب الأعم، أبناء “الطبقة الوسطى”، وليس الجوعى، ولم يكن الثائرون يسعون إلى ملء بطونهم، وإن لم ينسوا بطون فقراء المجتمع عبر رفع شعار “العيش” و”العدالة الاجتماعية” جنبا إلى جنب مع “الحرية” و”الكرامة الإنسانية”، لكن لا يمكن، وكما سبقت الإشارة، أن نتغافل عن أن دخول المطالب الاقتصادية إلى ساحة الحدث الرحيبة، كان أحد معوقاته، أو سبب انحرافه عن الاندفاع القوي في اتجاه “التغيير الجذري” الذي لا يمكن لثورة أن تنجح من دونه، بل لا يمكن أن يطلق عليها “ثورة” من غير وجوده.
وفي تاريخ مصر، لم يوجه غضب الجياع إلى السلطة بالضرورة، إنما كان أحيانا ينصرف إلى المجتمع. فإذا كانت لدينا هبتا جياع قصدتا السلطة، مثل تلك التي قامت في عهد الملك بيبي الثاني (2278 ـ 2184 ق. م)، وانتفاضة الخبز التي قامت ضد نظام أنور السادات عام 1977، فهناك جوع ذهبت طاقته الغضبية إلى المجتمع نفسه، مثل ما جرى في السنوات الست للشدة المستنصرية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله (1029 ـ 1094 م)، وهذه التي أتت على ذكرها النصوص الدينية حين تحدثت “السنوات السبع العجاف” التي مرت بها مصر، وأنقذها نبي الله يوسف، وهي مسألة إن لم توضع في “تأريخ ظاهر محدد”، فإن آثار ذكرها على الذهنية والمخيلة العامة كبير ومستمر، إذ أن الخروج من المحنة جاء من عل، حيث أسند الحاكم إلى يوسف “خزائن الأرض”، وهي مسألة تؤمن بها قاعدة عريضة من الجياع. ولذا نجد كثيرا من الموجوعين فقرا يناشدون رئيس الجمهورية، كي يتدخل وينقذهم من الظروف القاسية التي يعيشونها، مكرسين بهذا حالة مستمرة من “الأبوية السياسية”.
والجوعي إن غضبوا لا يوجهون حنقهم بالضرورة إلى السلطة أو الممكنين ماديا في صفوف المجتمع، إنما يهاجمون كل ما يقع في طريقهم، ويسلبونه، حتى لو كان من بيوت أناس يدافعون عنهم، ويدفعون أثمانا في سبيلهم. وفي غضبهم، قد يهتفون في البداية بمطلب اقتصادي، أو يتصرفون صامتين في عملية سلب ونهب، بما يجعل كثيرين يستغيثون مطالبين السلطة السياسية بالتدخل لوقف الفوضى العارمة، وهذا معناه منحها تفويضا بقمع أشد وأنكى.
ولأن المنتفضين جوعا ليسوا منظمين فإنهم سرعان ما ينفضون عائدين إلى بيوتهم، تاركين السلطة السياسية وحدها تتمدد في الفراغ الذي ترتب على انسحابهم. وقد تتخذ السلطة إجراءات اقتصادية ما بسبب ما جرى، مثلما حدث في انتفاضة 1977 حين تم التراجع عن القرارات الاقتصادية، إلا أن التدابير القمعية تظل قائمة، وقد يكون من بينها غل يد ما تبقى من القوى السياسية التي تطالب بالتغيير، ومن ثم تنتهي هبة الجياع إلى “ثورة مضادة” على الحريات العامة والحقوق السياسية، وقد ترتب مسارا سياسيا يسير في اتجاه معاكس لمصالح الفقراء، مثلما جرى بعد انتفاضة 1977 حيث وجد السادات المبرر القوي الذي جعله يمعن في إضعاف اليسار، لاسيما عبر التحالف مع الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية ذات التوجه الرأسمالي غالبا، والتي تؤمن بأن ما للفقراء هو صدقات وزكوات أكثر منها حقوق في المال العام.
مع الدعوة الجديدة إلى “ثورة جياع” تربط السلطة بين الداعين وبين هذه الجماعات، لاسيما “جماعة الإخوان المسلمين”، وترى أنها، وبعد أن فشلت في حشد الناس لأسباب سياسية، ولعجزها عن التحرك بمفردها، تريد أن تستغل غضب الفقراء في تعويم نفسها، بل إن هناك تنظيمات عنيفة قد تجد في انفجار هذا الغضب فرصة سانحة لحمل السلاح، لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمطلب الجائعين الغاضبين.
لا يخلو هذا التصور من حقيقة، لكنه لا يجب أن يرتب أي حجة منطقية وإنسانية وأخلاقية ووطنية تبرر السياسات الاقتصادية الراهنة، التي لا تؤدي إلى اتساع رقعة الفقر، كما أنه لا يمكن له وحده أن يمنع غضب الجوعى، الذين إن وجدوا انفسهم غير قادرين على الاستمرر على قيد الحياة، في ظل الظروف القائمة، سينفجرون، دون أدني تفكير في النتائج، ولا في الطرف الذي يمكن أن يستفيد من غضبهم العارم.
عمار على حسن
من كتاب أبواب الأذى























































