بقلم الكاتبة الصحفية / سهام فودة
سهوٌ عن الذات… في زحام العطاء
في زحام الأيام، لا ننتبه كثيرًا لما نفقده ونحن نظن أننا نُحسن الفعل.
ننشغل بمنح الآخرين ما نستطيع، نُجيد الحضور في حياتهم، نُتقن الإصغاء، ونُبالغ أحيانًا في البذل حتى يبدو الأمر وكأنه فضيلة خالصة لا يشوبها نقص. لكن ما لا نراه في تلك اللحظات، أن هناك شيئًا يتوارى بهدوء… نحن.
لا يحدث الأمر دفعة واحدة، ولا يُعلن عن نفسه بوضوح.
بل يتسلل كعادةٍ ناعمة: تؤجل نفسك قليلًا، ثم أكثر، ثم تعتاد الغياب عن ذاتك حتى لا يعود غيابك ملحوظًا. تصبح حاضرًا للجميع، متاحًا في كل وقت، قادرًا على الاحتواء، بينما تتعامل مع احتياجاتك أنت كأنها رفاهية قابلة للتأجيل.
ولأن العطاء في جوهره قيمة نبيلة، لا نشك لحظة في المسار الذي نسير فيه.
نُقنع أنفسنا أن ما نفعله هو الصواب المطلق، وأن التضحية دليل صفاء، وأن التنازل المستمر نوع من السمو. لكن الحقيقة الأكثر هدوءًا وعمقًا أن العطاء لا يفقد قيمته، إنما يفقد توازنه حين يغيب عنه صاحبه.
يمضي العمر، وتتراكم التفاصيل، ونكتشف—دون لحظة فاصلة واضحة—أننا لم نكن ضمن أولوياتنا يومًا.
لم نسأل أنفسنا بجدية: ماذا نريد؟
لم نمنحها ما كانت تمنحه للآخرين من وقتٍ واهتمام واحتواء.
كأننا افترضنا، دون وعي، أن لدينا فائضًا لا ينفد، وأن تأجيل الذات لا ثمن له.
ثم تأتي لحظة الإدراك… لا كصدمة صاخبة، بل كهدوءٍ ثقيل.
تلتفت إلى نفسك، فتجدها مرهقة أكثر مما توقعت، صامتة أكثر مما اعتدت، وكأنها تعبت من الانتظار. لا تعاتبك بحدة، لكنها تكشف لك—بوضوح لا يمكن تجاهله—أنها كانت تستحق مكانًا لم تمنحه لها.
هنا يتغير معنى الندم.
لا يعود ندمًا على ما قدمت، بل على ما غاب.
على تلك المساحة التي كان يجب أن تظل محفوظة لك، فلم تفعل.
على كل مرة كنت تستطيع أن توازن، فاخترت أن تميل بالكامل للآخرين.
النضج لا يأتي ليُطفئ فيك رغبة العطاء، بل ليعيد تشكيلها.
يجعلك تفهم أن الحضور الحقيقي لا يكتمل إلا إذا كنت حاضرًا لنفسك أيضًا.
أن الاتزان لا ينتقص من إنسانيتك، بل يحميها.
وأنك حين تمنح من مساحة واعية، لا من استنزافٍ خفي، يصبح عطاؤك أصدق وأبقى.
ليس المطلوب أن تُقلل ما تقدمه، بل أن تُدرج نفسك ضمن ما يُقدَّم.
أن تتعامل مع احتياجاتك باعتبارها حقًا، لا رفاهية.
أن تمنح نفسك ما تمنحه للآخرين من صبرٍ وتفهم واهتمام، دون شعور بالذنب.
فالحكاية، في جوهرها، لم تكن يومًا عن العطاء…
بل عن ذلك السهو الهادئ الذي جعلنا ننسى أن لنا حقًا في أنفسنا.
وحين ننتبه أخيرًا، لا يكون الأوان قد فات بقدر ما يكون قد حان—لأول مرة—أن نعود.






















































