عاجل

مصر ترفض عرضا إماراتيا “خياليا”
كوريا الشمالية تجري تجارب على صواريخ فرط صوتية
تفاصيل جديدة عن قانون الإيجار القديم 
“هل انتصر صلاح؟”.. جمهور ليفربول يطالب بطرد المدرب سلوت
عدة قنوات مفتوحة تنقل مباراة مصر وبنين في كأس إفريقيا 2025
كشف صادم عما قالته “دوقة من إنجلترا” إلى موظفي قصر المجرم الجنسي جيفري إبستين
فرحة قبل الوقت… ليفربول يتلقى صفعة أخرى في غياب صلاح
ماسك يكشف عدد الصواريخ التي سيتمكن مصنعه الجديد من إنتاجها
زوجة الرئيس السوداني السابق عمر البشير تنفي وفاته وتؤكد أنه في أتم الصحة والعافية
اتفاق جديد بين مصر وقطر يؤمن إمدادات غاز طويلة الأمد
منتخب الكاميرون يحجز مقعدا له في الدور ربع كأس الأمم الإفريقية 2025،
بروكسل.. تظاهرات ضد اعتقال مادورو
إطلاق الإعلان الرسمي لمسلسل “بطل العالم
“توقف عن التهديد”.. رئيسة وزراء الدنمارك ترد على تصريحات ترامب حول غرينلاند
مدرب منتخب مصر حسام حسن يرد على “تكفل صلاح بنفقات منتخب مصر”

# حين يستيقظ الذوق …!

بقلم الكاتبة / سهام فودة

لم يكن الانحدار مفاجئًا، بل تسلل إلينا على مهل، كغبارٍ ناعم لا نراه إلا حين يثقل الصدر ويعتم الرؤية. تساءلنا متأخرين: هل نحن من أفسد الذوق العام، أم أن ما يُعرض علينا ويُضخ في وعينا ليل نهار هو من تولّى المهمة كاملة بلا مواربة ولا خجل؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في جوهره معركة وعي وهوية، معركة بين ما يُقدَّم لنا باعتباره فنًا، وبين ما نحتاجه فعلًا كي نبقى بشرًا نملك إحساسًا سليمًا وذائقة حية.
لسنوات طويلة، اعتدنا أن نلقي اللوم على الجمهور، على الشباب تحديدًا، ونتهمه بالسطحية والانجراف خلف التفاهة، بينما تجاهلنا حقيقة أكثر قسوة: الذوق لا يفسد من تلقاء نفسه، بل يُفسد حين يُحاصر، حين تُغلق أمامه النوافذ النظيفة، ويُترك فريسة لمحتوى يلهث خلف الإثارة الرخيصة، ويصنع من الضجيج قيمة، ومن الإسفاف بطولة، ومن الانحدار ترندًا يُحتفى به.
أغانٍ تُفرغ الكلمات من معناها، وأفلام تجارية لا ترى في الإنسان سوى جسد وإيحاء، وفيديوهات تُقدّم القبح على أنه جرأة، والابتذال على أنه حرية، حتى صار الرديء مألوفًا، والمسيء عاديًا، والمخجل مادة للضحك والمشاركة. ومع التكرار، يحدث أخطر ما يمكن أن يحدث: الاعتياد. فالذوق لا يموت دفعة واحدة، بل يبهت، يترهل، ثم يستسلم.
لكن وسط هذا الركام، جاءت لحظة مختلفة. لحظة أعادت ترتيب الإحساس، وكأنها صفعة رقيقة على وجه الروح. أكثر من مليار إنسان يلتفون حول برنامج واحد، “دولة التلاوة”، لا صخب فيه، لا استعراض، لا كلمات سوقية ولا إيحاءات مبتذلة. مجرد صوت، معنى، روح، وجلال يلامس القلب قبل الأذن. في تلك اللحظة، لم يكن النجاح مصادفة، بل شهادة واضحة أن الذوق العام لم يمت، وأن الجمهور لم يختَر القبح لأنه يحبه، بل لأنه لم يُمنح بديلًا نقيًا يُشبهه.
ذلك الالتفاف المهيب لم يكن حنينًا للماضي فقط، بل رسالة للمستقبل. رسالة تقول إن الإنسان، مهما أُنهك بالتفاهة، يظل متعطشًا للجمال الحقيقي، للكلمة التي ترفع لا تهين، للصوت الذي يُهذّب لا يُخرّب، وللمحتوى الذي يُشعره بأنه أرقى مما يُقدَّم له. وهنا تتكشف الحقيقة كاملة: المشكلة ليست في الشباب، ولا في الجمهور، بل في من يصنع المحتوى، وفي غياب الرؤية، وفي رقابة غائبة أو متواطئة، تركت الساحة لمن يخلط الشهرة بالانحدار، والنجاح بالإسفاف.
الترند ليس خطيئة في حد ذاته، ولا المال عيبًا، لكن الخطأ أن يُبنى كل ذلك على حساب الذوق والوعي. هناك آلاف المجالات القادرة على جذب الملايين وتحقيق الأرباح دون أن تُهين العقول أو تجرّ القيم إلى الوحل. “دولة التلاوة” لم يصنع ضجيجًا، لكنه صنع أثرًا، والأثر هو المعيار الحقيقي لأي محتوى يحترم نفسه وجمهوره.
نحن لا نحتاج إلى محاضرات أخلاقية، ولا إلى وصاية ثقيلة، بل إلى قرار شجاع يعيد التوازن. رقابة واعية لا تخنق الإبداع، لكنها تميّز بين الجرأة والانحطاط، بين الفن والابتذال. وإعلام يدرك أن دوره ليس فقط أن يُشاهد، بل أن يُشكّل الوعي، ويصنع الذوق، ويترك أثرًا يليق بتاريخ هذه الأمة وثقافتها.
حين رأيت ذلك الالتفاف الملياري، شعرت بالأمل. شعرت أن الذوق العام يمكن استعادته، وأن القبح ليس قدرًا، وأن الشباب ليسوا غائبين كما نتصور، بل مُغيَّبين، ينتظرون من يوقظ فيهم الحس والجمال. وحين نستيقظ جميعًا، سنكتشف أن الرقي ليس استثناءً، بل الأصل… وأن الذوق، مهما تراجع، يعرف دائمًا طريق العودة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net