بقلم الكاتبة الصحفية / سهام فودة
في لحظة ما، لا
يعود الغفران فضيلة سهلة، ولا يصبح الصفح قرارًا نقيًا يُتخذ بكلمة أو نصيحة عابرة. هناك قلوب لا ترفض التسامح عنادًا، بل تعجز عنه لأن شيئًا بداخلها لم يلتئم بعد. فليس كل من صمت سامح، وليس كل من ابتعد نسي، وليس كل من ابتسم شُفي.
المتعبون لا يغفرون بسهولة، لأنهم لم يُؤذَوا على السطح، بل غاص الألم فيهم حتى صار جزءًا من وعيهم، من نظرتهم للأشياء، ومن طريقتهم في الثقة. هؤلاء لا يحملون الضغينة بقدر ما يحملون آثار ما حدث، كأن أرواحهم ما زالت تحتفظ ببصمة الوجع، تذكّرهم كلما حاولوا البدء من جديد.
نحن نخطئ حين نطالب القلوب المثقلة أن تتجاوز بسرعة، وكأن الألم رفاهية يمكن الاستغناء عنها، أو ذكرى يمكن محوها بقرار. الحقيقة أن الجروح العميقة لا تُشفى بالكلمات، ولا تُختصر بمواعظ جاهزة عن التسامح والنقاء. فالقلب الذي أُنهك لا يحتاج إلى دروس في الصفح، بل إلى وقت كافٍ ليعيد ترتيب ذاته، ويسترد توازنه المفقود.
الغفران الحقيقي لا يُولد تحت الضغط، ولا يأتي استجابة لرجاء أو شعور بالذنب من الطرف الآخر. إنه لحظة داخلية خالصة، تحدث حين يخف الألم، حين يفقد الوجع حدّته، وحين يتوقف الماضي عن اقتحام الحاضر. عندها فقط، يصبح الصفح فعل تحرر، لا تضحية جديدة.
أما قبل ذلك، فإن مطالبة الإنسان بأن يغفر، تشبه أن تطلب من جرح مفتوح أن يلتئم لأنك تعبت من رؤيته. هي قسوة مغلفة بنوايا حسنة، وظلم يُضاف إلى ظلم، حتى وإن جاء في صورة نصيحة رقيقة.
القلوب لا تُقاس بمدى قدرتها على النسيان، بل بصدق ما شعرت به. ومن شعر بعمق، يتعافى ببطء. لذلك، لا تُعجل أحدًا على الصفح، ولا تُساومه على ألمه باسم الطيبة أو صفاء القلب. فهذه المعاني، حين تُفرض، تفقد جوهرها، وتتحول إلى عبء جديد على روح أنهكها الحمل.
في النهاية، ليس الغفران واجبًا يُؤدى، بل حالة تُولد حين تصبح الذكرى أقل إيلامًا، وحين يختار القلب أن ينجو، لا أن يُثبت شيئًا لأحد. هناك فقط، يصبح الصفح ممكنًا… لا لأن الجرح اختفى، بل لأن صاحبه لم يعد أسيرًا له.






















































