بقلم دكتور / صلاح سالم
انطلقنا في المقال الماضي من التقليد التنويري الفرنسي، الذي اعتبرناه بؤرة التنوير الأوروبي. واليوم نتوقف عند جوهر الاختلاف بينه وبين التقليد الانجليزي، الذي مال إلى الاعتدال والتأكيد على الحس الأخلاقي والفضائل الاجتماعية، فيما كان التنوير الفرنسي ثوريا، شغوفا بالعقلانية المجردة، والفردية المطلقة. فقبل أن يعلن المفكر الأمريكي الجنسية، بريطاني الأصل، توماس بين أن عصره (1737ـ 1809) هو “عصر العقل”، كان الفرنسي دينيس ديدرو، قد أعلن إن الموسوعة التي يشرف على إصدارها، هي أداة عصر العقل لتحقيق الاستقلال الفلسفي، لا تسعى فقط إلى تقديم مادة معرفية محددة، بل إلى إحداث تغير في طرائق التفكير العامة. وفي الخطاب التمهيدي الذي سبق ظهور المجلد الأول عام 1751 تحدث ديدرو صراحة عن “قرن التنوير” الذي بلغ ذروته.
صدر من الموسوعة الفرنسية ثمانية وعشرون مجلداً بين العامين 1751 و1772، بعضها في لوحات مصورة، مع سبعة مجلدات إضافية في العام 1780م، الأمر الذي دفع دائرة المعارف البريطانية إلى محاكاتها بإصدار موسوعة “تشامبرز الإنجليزية” بين عامي 1768 و1771م، من مجلدين فقط، تُرجما إلى اللغة الفرنسية، قبل أن تضيف إليها ثلاثة مجلدات أخرى لم تترجم، جرى زيادتها إلى عشرة مجلدات في العام 1784، وإلى عشرين مجلداً في نهاية القرن. وعلى عكس دائرة المعارف البريطانية، لم تقدم الموسوعة نفسها بوصفها فرنسية، فأثبتت سمتها الإنسانية.
يعترف بمثل هذا التمايز رجل إنجليزي واع، أبدي إعجابه ودهشته عندما سمع سيدة فرنسية تقول لطفلها الصغير المشاغب: “كن منطقياً”، وذلك عكس المرأة الانجليزية التي تقول لطفلها في موقف مشابه: “كن ولداً صالحا”. يفسر المؤرخ الفكري الفرنسي أندريه سيغفريد هذا التباين بأن الفرنسي في الجوهر ديكارتي، منطقي، يثق كثيرا في العقل الإنساني، ويعتقد أن هناك حقيقة إنسانية خالصة تخص جميع البشر، وأن العقل وحده يستطيع إدراكها، وأن اللغة قادرة على التعبير عنها. ولذا استمرت مفردات خطاب الفرنسيين عن التنوير هي المألوفة، من قبيل قول فولتير في سياق حربه ضد الكنيسة: أسحقوا الخسيس. أو اقتراح ديدرو: خنق آخر ملك بأحشاء آخر قسيس. وقد زادت جاذبية التنوير الفرنسي بفعل تحققه الذاتي، حيث أفضت جمهورية الكلمات (مصطلح أُطلق على فلاسفة التنوير من كتاب الموسوعة وجمهور الصالونات الثقافية معا)، إلى تفجير ثورة عارمة حطمت سجن الباستيل، وشكَّلت الجمهورية السياسية الأولى. وعلى هذا كان العقل بالنسبة إلى فلاسفة الموسوعة، فولتير، وديدرو، ودالمبير، ودولباخ أشبه بمفهوم النعمة لدى المسيحي، وهو أمر ترجعه المؤرخة الأمريكية غيرترود هيملفارب إلى أن التنوير الفرنسي مثل إصلاحاً دينيا تأخر عن موعده، لم يحارب من أجل دين أكثر نقاء، بل من أجل سلطة أكثر سمواً، هي سلطة العقل.
ولا يعني ذلك أن التنوير البريطاني يجافي العقل ولا يعتبره قيمة أساسية، بل يعني فقط أنه ليس القيمة الوحيدة، وأن ثمة قيم أخرى مهمة على رأسها الفضيلة. والفضيلة هنا ليست القيم الشخصية كالصدق أو الاستقامة بل الفضيلة الاجتماعية التي تربط الناس معا بصورة فطرية كالشفقة والتعاطف والتضامن. لا ينكر الإنجليزي، إذن، أهمية العقل، لكنه يرفض اختزاله في المنطق الصرف، لإدراكه أن معظم المشاكل غير قابلة للحل بطريقة هندسية حاسمة، وأن كل الحلول التي يمكن الوصول إليها تظل مؤقتة وهشة، تحتاج إلى تصويب دائم. ولذا فالرجل الإنجليزي يتصرف في حياته الشخصية، مثلما يتصرف رجل الدولة في الحياة السياسية، حيث يتكيف كلاهما مع أجواء القلق وعدم اليقين مثلما يتكيف ربان السفينة الشراعية مع الأنواء والعواصف.
وقد عبر عن وجهة النظر هذه ببراعة السير أوستن تشامبرلين في خطاب له بمجلس العموم البريطاني في مارس1925م، حذر خلاله من تطبيق المنطق الصارم على السياسة، وهو ما تجنبته بريطانيا فتطورت سلميا ولم تعاني من ردود الفعل المفاجئة التي عانت منها بلاد أكثر تمتعاً بروح العقل المنطقي، غامزا من قناة فرنسا. ويفسر تشامبرلين ذلك بأن الطبيعة الإنسانية ليست منطقية تماما، ومن غير الحكمة أن نتعامل مع المؤسسات السياسية، ربيبة تلك الطبيعة، كما نتعامل مع أدوات المنطق؛ مؤكدا على أن الاستقامة، البساطة، والثقة هي أساس الحلول التي تقدمها الحياة الانجليزية، وهي سر أصالة وتميز العلم البريطاني، فالبريطانيين يحسنون النظر إلى الطبيعة قبل الاستنتاج. وعلى نحو مشابه يرى روى بورتر، أن التنوير الانجليزي ازدهر داخل مناخ التقوى والفضيلة، فلم تكن هناك حاجة للإطاحة بالدين نفسه لأنه لم تكن هناك كنيسة مضطهدة، أو لاهوت متعصب يتوجب التمرد عليهما، فلا باباً، ولا قساوسة يسوعيون، ولا محاكم تفتيش، عكس فرنسا حيث مثل العقل سلطة فائقة، تتحدى الدين والكنيسة وكل المؤسسات التي تعتمد عليهما.
ولأن العقل لم يكن سلطة مطلقة في التنوير البريطاني، ولا في ربيبه الأمريكي فلم يكن الدين، كعقيدة أو كنيسة، هو العدو الأسمى لهما، بل كان كلاهما متسامح ومنسجم مع تشكيلة واسعة من
الإيمان والكفر، مثلما كان تنوع الطوائف الدينية تأكيداً للحرية، وفي الأغلب أداة للخلاص الروحي. لكن، إذا كانت القوة الحافزة للتنوير البريطاني هي الفضائل الاجتماعية والحس الأخلاقي، ففي أمريكا كانت الحرية السياسية بمثابة المحفز على الاستنارة والثورة معا. أما العقل بالنسبة إلى كليهما فكان أداة لبلوغ الغاية الاجتماعية الأكثر اتساعاً، ولم يكن هو الغاية ذاتها. هكذا كانت رسالة التنوير البريطاني هي بناء مجتمع سليم. ورسالة التنوير الأمريكي إقامة الجمهورية الجديدة على أساس متين من الحرية، عكس التنوير الفرنسي الذي كانت رسالته الأكثر سمواً هي عقلنة العالم، وحكم العقل للمجتمع. للحديث بقية.























































