عاجل

أول تعليق لرئيسة الوزراء الإيطالية بعد إغلاق موقع إباحي استهدفها بصور مفبركة
منافسة مصرية إمارتية إسبانية للاستحواذ على مشروع مصري عملاق
واشنطن ترفض منح تأشيرات للرئيس عباس ومسؤولين فلسطينيين لحضور أعمال الجمعية العامة
فون دير لاين تقترح زيادة الإنفاق الدفاعي 5 أضعاف
أول رد مصري على “تسريبات” إسرائيلية حول نقل مكان مفاوضات غزة
التبادل التجاري بين روسيا والصين يتجاوز 240 مليار دولار للعام الثاني على التوالي
المركزي المصري يفاجئ الأسواق بخفض الفائدة أعلى من المتوقع
دراسة تكسر القواعد.. تناول اللحوم لا يسبب الوفاة بل قد يقي من السرطان
حضور لافت لجورج كلوني على السجادة الحمراء في مهرجان فينيسيا
ترامب يعلن واشنطن خالية من الجريمة وأوباما ينتقد الإجراءات بشدة
# بين حُرية التعبير.. والمسئولية الاجتماعية
الاسطورة سعاد حسني ترقص وتغنّي في بيروت: وقت مستقطع مع الفرح
موقع أمريكي يكشف عن خطبة الشيخة مهرة بنت محمد بن راشد على فنان شهير
بزشكيان: “نحن لا نخشى أي تهديد وسنرد بحزم وقوة رادعة على أي عدوان”
# الخطة القومية … لتطوير الفشل !!!

# بين حُرية التعبير.. والمسئولية الاجتماعية

بقلم دكتورة / أماني فؤاد

تُثير منصَّةُ تيك توك، والفيديوهات المصوَّرة لبعض اليوتيوبرز، وبعض ‏المشاهير، الكثيرَ من الجدَل داخل المجتمع المصري، وتنقسم الآراء بين ‏الشعور بالمسئولية المجتمعية، أو ضمان الحريات الفردية؛ حيث يرَى ‏البعض أن كثيرًا من هذا البَث تجاوَز حدود اللياقة، فمعظم ما يُبَث يقدِّم ‏محتوى يعبث بمنظومة القِيَم، ويسيء للمصريين، داخل المجتمع أو ‏خارجه. ورغم أن هذه الحالات تمثِّل شرائحَ محدودةً، لا قاعدة الشعب ‏المصري الراقي العريق؛ فإنها للأسف تتصدَّر المشهد بأعلى المشاهَدات؛ ‏لفضائحياتها أو غرابتها، كما يرَون أن تقديم هذا المحتوى المبتذَل، ‏الفضائحي والسطحي، يعمِّم التفاهة والردَاءة، ويجعلها نموذجًا أمام النَّشْأ، ‏فهذه النماذجُ تؤثِّر في بعضهم؛ فيحتذون بسلوكهم، وطريقتهم في الكلام، ‏وتكمُن خطورة الأمر في أن هذه السلوكيات تَظهَر وكأنها أمرٌ طبيعي ‏ومقبول؛ مما يؤدِّي إلى تآكُل القِيَم ببطء، وظهور ما نسمِّيه بالشَّعبوية ‏والابتذال.‏
بينما يرى الفريق الآخَر من المجتمع أن الواقع ينقِّي ذاتَه، ففي فضاءات ‏مفتوحة؛ ينتهي الغَث مع الوقت، وأن حرية التعبير مكفولة للجميع، وإننا لو ‏ضيَّقنا على هؤلاء بحجة ابتذالهم؛ سنعطي الفرصة للتضييق على أيِّ فرْد ‏لديه المقدرة على تقديم محتوى جاد؛ لكنه قد يكون مخالِفًا لتوجُّه البعض. ‏ولذا أحاول معكم تكشُّف الأمر حول تداعيات وجود وانتشار هذا المحتوى ‏الرديء، وكيفية محاسَبة أصحاب هذا الابتذال، دون المساس بحرية ‏التعبير.‏
فلا شك أن هذه الوسائطَ الإعلامية قد أحدَثت ثورة في عالَم التواصل ‏الاجتماعي، وفتحت المجال للآلاف، لعرْض مواهبهم وأفكارهم. ومع ذلك، ‏لم يخْلُ الأمر من العديد من علامات الاستفهام؛ حيث أصبح التكسُّب ‏المادي هو الدافع الرئيس – للكثيرين من صانعي المحتوى على تيك توك ‏‏- على حساب الأخلاق.‏
فمن خلال المشاهَدات العالية، والهدايا المدفوعة، يسعى هؤلاء إلى تحقيق ‏الشهرة والثروة بأيِّ ثمن. ويتردد أن هناك مَن يوظِّفونهم كنوع من غسيل ‏الأموال، ولهذا يقدِّم البعض محتوى مخالِفًا للآداب العامة، أو نشْر ‏معلومات مضلِّلة تشكِّك في كل شيء، أو التحريض على الكراهية.‏
وتثير مسألة محاسَبة هؤلاء الأشخاص جدَلاً؛ فالبعض يرى أن مصر دولةٌ ‏أكبر من تلك الشراذم، بريادتها في تقديم الرُّقِي والتحضُّر للمنطقة العربية، ‏وأن المحتوى الجيدَ كفيلٌ بإزاحة المبتذَل؛ لكنني أرى بعض الخطورة ‏في تَرْك هذا الابتذال على الساحة ليسود ويظَل في أذهان ‏المراهقين، ولذا أرى أن هناك حاجة مُلِحَّة إلى تطبيق القوانين ‏الموجودة بالفعل، مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ‏والذي يمكن أن يطبَّق على أيِّ شخص ينشُر محتوى يحرِّض ‏على الفِسق، أو ينتهك القِيَم المجتمعية، كأن تخرج أمٌّ على الجماهير ‏تدَّعي أن أولادها يمارسون زِنا المحارم؛ لتحصد أعلى مشاهَدات، فوالله لا ‏أشك لحظة أن مثل هذه الأم الطامعة للمكاسب، شديدة الجهل، لا تعرف ‏معنى الأمومة.‏


وأتساءل لماذا أترك للجهل والطمع أن يسودَا، ومن ثم يتبعهما الانحدار ‏الأخلاقي. لماذا تطبخ إحدى النساء في غرفة نومها، وما الفائدة من أن ‏يصوَّر هذا المحتوى السمِج؟ وما المثير في عرْض فيديوهات لتاجرة فسيخ، ‏أو غيرها؟
وهل تقنين هذه الفوضى – التي لا تضيف سوى السطحية، ونشْر ‏الأساليب السمِجة في الحديث والتعاملات – يمكن أن يؤدِّي إلى التضييق ‏على حرية التعبير؟ أحسَب أن استخدام القوانين لتنقية ما يُعرَض مسئولية ‏تجاه قِيَم المستقبل؛ لئلَّا تسيطر الرداءة على العقول. ‏
كما أن نشْر فيديوهات تحتوي على إيحاءات جنسية، أو رقَصات خادشة ‏للحياء؛ بهدف جذْب المشاهَدات والهدايا المدفوعة؛ هذا النوع من ‏المحتوى لا يمثِّل فقط انتهاكًا للآداب العامة، بل يساهم في ترسيخ ‏فكرة أن الشهرة والمال يمكن أن يتحقَّقا دون جهْد أو موهبة ‏حقيقية، وهو ما يهدِّد المستقبل.‏
وأن ظهورَ بعض التيكتوكرز – يطلبون الهدايا من المتابعين بشكل مباشر ‏وصريح، مستغلِّين تعاطُفهم، مختلِقين قصصًا مأساوية، أو يتبادلون الشتائم ‏مع تيكتوكرز آخَرين؛ لجذْب المزيد من المُشاهِدين، وزيادة التفاعل – نوعٌ ‏من الابتزاز العاطفي.‏
كما أن نشْر المعلومات المضلِّلة والأخبار الكاذبة لجذْب انتباه المتابعين، ‏يمثِّل خطرًا حقيقيًا على المجتمع؛ حيث يُفقِده الثقة في كل شيء، ويصبح ‏التشويه دون أدِلَّة هو السائد.‏
هذا النوع من المحتوى يؤدِّي إلى عِدة تداعيات خطيرة على ‏المجتمع، خاصة على فئة الشباب والأطفال: مثل تغيير مفاهيم ‏النجاح، حيث يرى بذلك الشباب أن النجاح لا يعتمِد على العِلم أو ‏العمل الجاد؛ بل على القدرة على إثارة الجدَل واستعراض ‏السلوكيات غير المقبولة. وتشويه صورة القدوة؛ فبدلًا من أن يتَّخذ ‏الشبابُ الروادَ في المجالات المختلفة قدوةً لهم؛ أصبحوا يقلِّدون ‏التيكتوكرز، مقدِّمي المحتوى السلبي والمبتذَل، مما يؤدِّي إلى تآكُل القِيَم ‏الأخلاقية ببطء.‏
كما يتسبب هذا المحتوى في زيادة معدَّلات العنف والتنمُّر في الواقع.‏
ويكمُن الحَل – من وِجْهة نظري – في إيجاد توازُن دقيق بين حرية التعبير ‏والمسؤولية الاجتماعية. فالحرية ليست مطلَقة؛ بل يجب أن تكون مصحوبة ‏بمسؤولية تجاه المجتمع. وهذا يتطلب اتخاذَ إجراءات عِدة، منها: تفعيل ‏دور الرقابة الأُسرية في توجيه الأبناء نحو المحتوى الهادف، وتوعيتهم ‏بمخاطر السلبي منها. ويتم ذلك بدعْم وتشجيع صانعي المحتوى، الذين ‏يقدِّمون المفيد والإيجابي، ويتِم هذا من خلال المنصات نفسها، أو مبادرات ‏حكومية، أو مجتمع مدني.‏
كما يمكننا تطبيق القوانين بمرونة، بقياس لا يؤدِّي إلى التضييق على ‏الحريات الأساسية، مع التركيز على رفْض الخطاب، الذي يشكِّل انتشارُه ‏ضررًا حقيقيًا على المجتمع.‏
كما يمكننا إطلاق حملات توعية حول أهمية الحفاظ على القِيَم الأخلاقية ‏في الفضاء الرقمي، وكيفية التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الضار. ‏ومسؤوليةُ ضمان أن تكون هذه المنصاتُ بيئةً آمِنة ومفيدة للجميع تقَع ‏على عاتقنا جميعًا، أفرادًا ومؤسساتٍ. والمحاسَبة ليست هدفًا في حد ذاتها؛ ‏بل هي وسيلة لتحقيق هذا الهدف، دون أن نفقد أهم المبادئ التي يقوم ‏عليها أيُّ مجتمع متقدِّم، وهي حرية التعبير المسؤولة.‏
كما علينا أن نغادر مواقع المتفرجين، الذين يشيرون للخطر، دون القيام ‏بأية مبادرة، حيث لا تقع المسؤولية على الدولة وحدها، فللأسرة والمدرسة ‏والمؤسسات الدينية دور في التوعية بأهمية الحفاظ على القِيَم. وللكُتاب ‏والمثقَّفين والإعلاميين والفنانين، من ذوي التأثير، دورٌ كبير. فلا ينبغي أن ‏تنعكس المعادلة؛ التيكتوكر الساذج، الطماع، غير المثقَّف لا يتعيَّن أن ‏يكون واجهة ولا دعاية للفن والسينما مثلًا، كما أن التحجج بأن نشْرهم ‏لليومي الذي يحتك بحياة الأفراد هو الذي يلفت انتباه الكثيرين لهم، اليومي ‏والمعتاد يكون جميلًا فقط، ومفيدًا؛ حين نكشف ما يتضمَّنه من جَمال ‏اعتدناه، ولم نعُد نلمسه لتكراره، أما اليومي الذي يقدَّم بابتذال، فما الفائدة ‏المرجوَّة منه؟ ‏
شعورنا بالمسئولية تجاه المستقبل والأجيال، التي ستقوده، يفرِض أن نتحلَّى ‏باليقظة، والإحاطة بالأبعاد كافة، والبحث حول كيف يكون لمنصات ‏التواصل الاجتماعي نفسها دورٌ في فرْض سياسات أكثر صرامة ضد ‏المحتوى المسيء، وتخصيص آليات للإبلاغ عنه، وتعزيز كل ما هو ‏إيجابي وإنساني وراقٍ.‏
إن المحاسَبة ليست عقابًا، بقدْر ما هي وسيلة لضمان بيئة رقمية أكثر ‏أمانًا. فالمجتمع المتوازِن هو الذي يدافِع عن حرياته، وفي نفس الوقت، ‏يحافظ على قِيَمه ومبادئه، ويفكر في المستقبل.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net