كتبت / سلوى لطفي
لم تكن شيرين مجرد صوت جديد؛ بدت كأنها ردّ فني على عصر التصنّع.
صوتها الذي وصفه النقاد بأنه “صوت النيل” الذي يحمل طمي الأرض وشجن البيوت، كان يحمل بحة نادرة أعادت إلى الأذهان جيل العمالقة.
وصفها الملحن الراحل محمد الموجي الصغير بأنها تمتلك حنجرة “تعزف الكمان“، فصوتها لا يخرج من حلقها فحسب، بل يبدو وكأنه يتسرب من مسام جلدها، في إشارة إلى قدرتها على تطويع الإحساس لا مجرد أداء اللحن.
من هنا بدأت الحقبة الأولى؛ حقبة التأسيس والدهشة التي استمرت حتى عام 2008.
عصر آه يا ليل والمواطنة العاطفية
في هذه الفترة، تحوّلت شيرين إلى صوت تعبيري عن شريحة واسعة من الفتيات العربيات
وعبر أغانٍ مثل “جرح تاني” و”صبري قليل“، قدمت نموذج الأنثى القوية والمجروحة في آنٍ واحدٍ.
لم تكن تغني للحب العذري المثالي، بل كانت تجسد الحب الحقيقي بمراراته وصدقه الفج.
يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن شيرين تمثّل “المعادل الصوتي للصدق“، فهي “لا تؤدي بل تعيش الحالة حتى لو كانت مدمرة”.
النضوج الفني والشرخ النفسي
انتقلت شيرين لاحقاً إلى مرحلة النجومية المطلقة مع ألبومات فارقة مثل “اسأل عليا” و”أنا كتير“.
هنا، أدرك العالم العربي أن شيرين ليست مجرد مطربة شعبية بأسلوب حديث، بل بدت امتدادًا معاصرًا لمدرسة الطرب الكلاسيكي، ولا سيما أنها تمتلك قدرة استثنائية على “التطريب المعاصر”.
وفي هذه المرحلة، قال عنها الموسيقار حلمي بكر إنها المطربة الوحيدة التي تستطيع أداء “السهل الممتنع”، واصفًا صوتها بمساحات من الإحساس الذي لا يُدرس في الأكاديميات.
لكن، خلف هذا البريق، بدأت تتبدى ملامح شيرين المتمردة..
خرجت إلى العلن تصريحات عفوية وصفها البعض بـ”زلات لسان”، بدءًا من أزمة البلهارسيا، وصولاً إلى قرار اعتزالها المفاجئ عام 2016 ثمّ عودتها تحت ضغط الجمهور.
يمكن هنا استحضار تجربة إديث بياف، الأسطورة الفرنسية التي كانت تبكي على المسرح وتخاطب جمهورها كأنهم جيرانها.
الانزلاق نحو “الترند المظلم”
انزلقت الفنانة إلى منطقة الاستنزاف العاطفي الذي انعكس بوضوح على شكلها، وزنها، وقدرتها على الوقوف بثبات أمام الكاميرات.
تحولت أخبار شيرين من إطلاق الألبومات إلى “حلاقة الشعر“، ومن تسجيل الأغاني إلى دخول المصحات العلاجية.
هذا التأريخ للألم يذكرنا بحالة الأسطورة الأميركية ويتني هيوستن، التي امتلكت أعظم صوت في جيلها قبل أن تدمرها العلاقات السامة والضغوط التي فاقمت أزماتها النفسية.
لا يعني ذلك تطابق التجربتين، لكن ملامح التداخل بين الموهبة الفائقة والهشاشة الإنسانية تبدو متشابهة في الحالتين.
كيف نستعيد ابنة النيل؟
-
أولاً: الإدارة الاحترافية والعزلة المهنية
-
ثانياً: العودة إلى المشروع الفني المتكامل
أخيرًا.. التأهيل النفسي بعيدًا عن ضجيج “الترند”
الرهان على الذهب
في النهاية، شيرين عبد الوهاب ليست مجرد اسم يتصدر محركات البحث لفترة ثم يختفي.
هي خامة صوتية استثنائية، نادرة في الغناء العربي المعاصر، تأتي مرة كل عقود.
-
إذا استسلمت للانهيار، فسيذكر التاريخ أنها كانت “الصوت الذي احترق” تحت أضواء الشهرة.
-
أما إذا اختارت المواجهة والترميم، فستتحول قصتها من مأساة حزينة إلى ملحمة صمود ملهمة.























































