عاجل

# القضايا بِنَبْض البَشر .. في “زمن سعاد”‏
الأمن المصري يكشف التفاصيل النهائية لدهس المواطنين بسيارة تحمل علم إسرائيل
# الراجل النرجسي …..
# غضبة الجوع
قوات مظليين بريطانية وفرنسية تستعد للإنزال في أوكرانيا
“إف-22 وصلت إسرائيل”.. ماذا رصدت الأقمار الصناعية الصينية بشأن المقاتلة الشبحية الأمريكية؟
لا تُفسدوا الوداع.. تحذير من نهاية حزينة لمسيرة محمد صلاح مع ليفربول
الفنانة شاكيرا توجه رسالة للمصريين
صندوق النقد الدولي يوافق على قرض جديد لمصر
أسواق غزة تعود للحياة تدريجيا في شهر رمضان وسط قلة المشترين وغلاء الأسعار
“فاتت سنة” أم عشرات السنوات؟.. ميادة الحناوي تشعل مواقع التواصل بإطلالة عشرينية
وفاة الفنان المصري ياسر صادق
فنان أردني يرد على “تعليقات” حول لهجته المصرية
ثورة في علاج السكري.. دواء جديد يتفوق على أفضل العلاجات الحالية في خفض السكر والوزن
الهند وإسرائيل – معاً نحو اتفاقية التجارة الحرة ومواجهة التطرف الإسلامي

# القضايا بِنَبْض البَشر .. في “زمن سعاد”‏

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

ـــ 3 ــ ‏
بالرغم من أن رواية “زمن سعاد” للدكتور (خالد منتصر) هي السردية ‏الأولى ضمن مؤلَّفاته الفكرية المتعددة، إلا إننا نلحَظ هذا النُّضج الفنيَّ ‏الذي يغلِّف السردية، فيضيف إليها النصاعة والعمق، والغلالة الإنسانية ‏بشفافيتها، وتعقيداتها معًا، على ما تطرحه من أفكار وقضايا، حيث تنطبع ‏التحوُّلات الدرامية المريرة في العقود الأخيرة، في المجتمع المصري، على ‏بنْية شخصيات الرواية؛ فحين تتشبَّث سعاد الأم بالكفَن، مع أخريات؛ ‏لتوديع سعاد حسني؛ تُفاجَأ بابنها طارق يشدُّها من شَعرها ويصفعها، ‏وبزوجها مطأطِئ الرأس، وبكل هذه القسوة والعتمة في المشهد؛ يجسِّد ‏الكاتب انهيار الحلم – الذي كان واعدًا ومبشِّرًا – ويستبدل به تحكُّم ‏وسيطرة تلك الجماعات، وعُنفها وعبَثها بالجميع، نكوصها بمصر ‏ونهضتها، الذي رمَز له القَصُّ بشخصية “سعاد حسني”.‏
وتشتبك هذه السردية بعنفوان وجرأة مع المسكوت عنه، الذي لا يفضِّل أحدٌ ‏مواجهتَه، حيث يرصد الكاتب تاريخ مصر الحديث، منذ الستينيات حتى ‏نهاية القرن العشرين، وتقبض أصابعه على الأوتار العميقة لخطابات هذه ‏الجماعات، التي اكتسبت قدَاستها، والخوفَ من الاقتراب منها، من ‏تمسُّحها بالدين، فمن خلال حياة الشخصيات وأحداثها، وتاريخها العائلي ‏والفني والاجتماعي؛ نواجَه بالنكوص الذي أصاب الجميع، فيقصُّ الكاتب ‏على المتلقي مناطقَ الضَّعف البشري، والمداخِل والطرُق التي تتسلل منها ‏تلك الجماعات للأفراد، ويُجرُون لهم عملياتِ مسْحِ الذِّهن، والدخول من ‏مناطق الاحتياج أو العوَز.‏
يرسم الكاتب خرائط الضعف البشري، وتحوُّلاته، ويقصُّ أيضًا عن قوة ‏البعض، وثباتهم على ما يؤمنون به من حقوق وحُريات للبشر. فبالرغم من ‏نشأة التوأم – سلمى وطارق – في أُسرة واحدة؛ فإن المجتمع يرسم لكل فرْدٍ ‏طريقَه، لظروف حياتية تختلف من فرْدٍ إلى آخَر، فضلًا عن الطبيعة ‏الشخصية، ونِسَب هشاشة الذات، أو ثباتها وفْق موضوعية رؤيتها، ‏وانفتاحها الثقافي.‏
فيرصد د. خالد منتصر المداخِل – التي يتسلَّل منها الفكر المتشدِّد ‏التكفيري – للأفراد، فلكل حالة أو نموذج انخرَط في هذا التوجُّه العنيف ‏المتعصِّب بعضُ الأسباب الاجتماعية الأُسرية، التي جعلته قابِلًا للتأثُّر من ‏الآخَرين، وأرضًا طيِّعَةً يبُثُّون فيها الأفكار الظلاميةَ في الذِّهن والوجدان. ‏أو هناك أسباب أخرى، مثل السَّفر للعمل في بلدان راديكالية محافِظة، ‏وتحكُّم أطماع البترودولار، أو الأطماع الاقتصادية لدى شرائح داخِلَ ‏مصر.‏


فخديجة؛ زميلة طارق وحبيبته، ترتدي النقاب، وتنخرط في تلك الجماعات، ‏والتشدُّد الفِكري، بعد انفصال أُمها عن أبيها، وانهيار الأمان الأُسري، ‏ولعِشق طارق الأشموني لخديجة، ورغبته فيها؛ يحاول إرضاءها، وينخرط ‏معها في فِرقتهم الناجية، وأطماعهم التي يحقِّقها الاتجار بالتديُّن ومظاهِره، ‏في حين اضطر أبوه؛ فارس الأشموني، للسَّفر والعمل في بيئة ثقافية ‏وهابية متشدِّدة، وارتبط دخْله بطبيعة مَن يدفع له راتبه، وانغلاق رؤاه وتديُّنه ‏الظاهري.‏
ويوضِّح الروائي الرؤيةَ بأبعادها مكتمِلة؛ فيرسُم شبَكة العلاقات بين رأس ‏المال وبعض شيوخ التديُّن، وكيف حقَّقَا معًا الوجود والسطوةَ – حين لعب ‏هؤلاء التجار، ومَن انضمَّ إليهم من شيوخ – على أذهان الجموع، التي ‏تميل للثِّقة فيمَن يتظاهرون بالتديُّن؛ فأوجدوا شركاتِ توظيف الأموال، التي ‏بارَكها الشيخ بيومي الشنواني في النَّص. ورفَعوا شعارَ: الإسلام هو الحَل، ‏ومنظومة شركات الملابس الشرعية، والحِجاب، واللحم الحلال، والفوائد ‏الشرعية، وكل تلك الخطابات الموضوعة بعناية؛ لتلعب على الأذهان، ‏وتُدِر رِبحًا لا يخطر على البال لتجَّار التديُّن.‏
ويمكن أن نضيف – إلى الأسباب التي ورَدَت في السردية – عدمَ تحقُّق ‏الأفراد في حيواتهم، وشعورهم بعدم التقدير والاحترام، ومن ثم الهروب ‏لشيء يتصوَّرون أنهم سيجدون فيه الفردوس المفقودَ. والفقر أيضًا أحد ‏الأسباب؛ حيث يجعل الإنسان رخوًا؛ ينفتح لأيِّ خطاب يَهَبه نافذةً ‏للخلاص من أنياب العوَز، ولذا يتعيَّن الانتباه لكل أشكال التنمية، التي ‏تصُب نواتجها على الجموع. ومن الأسباب المهمة أيضًا انغلاق الأفق ‏الثقافي والسياسي العام، ومحدودية ما يُطرَح من خطابات في المجتمع، ‏حيث يخلُق الحراك الثقافي، وحالةُ جدَل الأفكار والفنون والعلوم، حالةً من ‏التعدُّد والتوهُّج، الذي يجعل العقل البشري ينشَط ويتَّسِع، بما يُعرَض عليه ‏من فلسفات، وخطابات حزبية وتيارات سياسة، وعلوم، وفنون، وثقافات. ‏الافتقار لكل هذا يخلُق بيئة حاضنة لانجذاب الأفراد لخطابات التيارات ‏التي تبُخ الكراهيةَ والرفض للحكومات والدول، والرغبة في الانتقام من ‏الجميع وتكفيرهم. ‏
ويلفت الكاتب نظَرَ المتلقي للطرُق النفسية، والإجراءات التي يتَّخذها ‏أصحاب هذه الجماعات لجذْب عناصر هذه الجماعات، وإدخالهم في ‏قطعانهم: يحدِّدون لهم الشكل والملابس، ماذا يسمعون، كيفية قضاء ‏الوقت، ويصِرُّون على إدخالهم ضمْن طقوس جماعية بعَينِها، ويتم تكرار ‏هذا الخطاب ليلًا ونهارًا. كأنهم يدركون أن الشكل هو المدخَل الأوَّلي، ‏والأكثر تأثيرًا؛ فالبشر يتلبَّسون الأطُر والأشكال، وخاصة الأشخاص غير ‏المسلَّحين بفكر يزِن قوَام شخصياتهم، دون ثقافة ولا ذائقة ولا تقدير للتفرد ‏الشخصي، وكونه جوهرَ تقدُّم المجتمعات.‏
يحكي طارق عمَّا قالته خديجة له، يقول: “أخبرتني بأن إعفاء اللحية وحفَّ ‏الشارب بنفس أهمية الصلاة والصوم، لأن هذا ما يخلُق تفرُّدَنا وتميُّزنا، ‏وإعلاننا عن أنفسنا، سألتها على مَن تعود “نا” التي تقصدينها في كلماتك ‏المتكررة؟ … ردَّت: جماعة الحق، فِرقتنا الناجية، لا يصِح أن تتصرف ‏كفرد حتى لو وصلت لقِمَّة الالتزام، لابد أن تكون في جماعة، فيد الله مع ‏الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.”71. حيث يعدُّون مظاهر ‏الإيمان الشكلي وحدةً وأيقونة تجمعهم، وبها يتميَّزون.‏


وتتعدد القضايا التي يعالجها د. خالد منتصر في هذا العمل السردي، وتمُد ‏خيوطَها للتلاقي مع مشروعه الفكري ككل، قضايا مفصلية يطرحها في ‏الرواية، كما يعرضها في المقالات، والبوستات، وبرامجه التلفزيونية ‏المصوَّرة، لكنها تتجسد في هذه السردية من الحيوات النابضة للشخصيات، ‏ومآسيها التي عاشتها تأثُّرًا بتلك الرؤى المنغلِقة للحياة، لعلَّ حياة التشكيلي ‏فارس الأشموني، الذي يطلب من ابنته أن توفِّر له موتًا رحيمًا، عندما يفقد ‏ذاكرته تمامًا، وينسى لوحاتِه وفنَّه؛ خير دليل على قسوة أن يعيش البشر ‏وفْق كتالوج يُفرَض عليهم من مجموعة تتصوَّر أنها تحتكر الحقائق، فارس ‏الذي تسبَّب تحريمُ هذه الجماعات للفنون والمجسَّمات في حرْق لوحاته، ‏وإهماله لمَرْسمه وفنِّه، وتسبَّب أيضًا في كفِّ فُرشاته عن الإبداع، وشعوره ‏بالعجْز التام والمرض، حين استلبوه أغلى ما يملك الفنان؛ الرؤية الخاصة ‏المبدعة التي لا تأتي على نسَق ثابت.‏
تشير سلمى ابنته – التي سافر إليها هو ووالدتها؛ هربًا من جحيم طارق ‏وطمعه- إلى أن أسعد لحظات ذاكرة والدها، وأكثرها يقظة، وهو معها في ‏متحف فان جوخ، في هولندا، يجوب المكانَ، ويشاهد اللوحاتِ، كأنه ‏يكتشف عالَمه، ويلمسه، ويفخر به، فتعود إليه حقيقته وذاته فتنشط ذاكرته.‏
كما نلحَظ التقصِّي، والبحث الدؤوب للكاتب حول معرفة التفاصيل الكثيرة ‏عن حياة أعلام الفن التشكيلي، الذين ورَدت أسماؤهم في السردية، ‏ولوحاتهم. هذا فضلًا عن أنه لا يطلِق أحكامَه جاهزةً على الشخوص، ولا ‏يتطرَّق لتقييمهم، بقدْر ما يضَع شخصياتِه في مواقفَ ومَشاهدَ وحوارات، ‏تجعل القارئ هو مَن يحدِّد توجُّهاتِهم وطبيعتَهم الفكريةَ والإنسانية، فحين ‏يعرِض طارق رؤاه التكفيرية والانتهازيةَ عن الآخَرين؛ يظَل يبرِّر لها، وفي ‏المقابل يعرِض للتوجُّه المعاكِس تمامًا لدى سلمى، أو السندريللا، أو سعاد ‏الأم. يحكي طارق عن استحلال المال من والدته وأبيه، وهو ما يدل على ‏شخصيته الانتهازية الاتباعية، يقول: “لكنني مضطر، سألت أميري في ‏الكلية، فنصحني بالتقية؛ الكُمون حتى التمكُّن، أُمسك بالمكسب والبنكنوت ‏في يدي، وبعدهما سأقول لهما أُفٍّ وأنهرهما.” 73 ‏
ويجسِّد الكاتب أيضًا – في تلك الفترة من الأحداث آخِر القرن العشرين – ‏استسهالَ هذه الجماعات الحُكم على الآخَرين، ورميهم بالكفر والزندقة، ‏والخروج من المِلة، وكأنهم وحدهم يمتلكون الحقائق، فمنذ أول سطور ‏العمل يتم اتهام سعاد حسني بالكافرة، ويُضرَب أيمن البهائي، ويُهان، ‏ويُقصَى من أيِّ موقع يريده، رغم تفوُّقه، لأنه ليس مسلمًا، ومثله المسيحي.‏
كما يتطرَّق الكاتب للحديث عن اليسار المصري، من خلال وصْفه ‏لتحوُّلات فارس الأشموني، وألوان لوحاته، كيف بدأ يساريًّا قاتِمَ الألوان ‏والرؤى، يجسِّد شقاء العمال والفلاحين، ثم تتغير ألوان لوحاته بعد مناقشاته ‏مع الفنان بيكار، وقصة حُبه لسعاد، التي لوَّنت الحياةَ ولوحاتِه، ونقاشات ‏صالون أستاذه الدكتور قدري، يقول عنه: “يحدِّثنا بصوته الجهوري عن ‏ديكتاتورية البروليتاريا، وفائض القيمة، والسادية الجَدَلية، أمله في صعود ‏كوبا، وثقته في أن الضابط الشاب عبد الناصر سيحقق كل أحلام ‏الاشتراكية.” 39 الأستاذ قدري الذي يُعتقَل، في عهد عبد الناصر، ‏لسنوات؛ فيخرُج محطَّمًا، شاعرًا باللاجدوَى.‏
وتتحدَّث سلمى عن حبها للحياة، وعن طارق؛ أخيها التوأم، تقول: “طارق ‏الذي تحوَّل إلى سجَّان وموظَّفِ رقابة، واعتبَر جسدي رهينة عنده، .. إلا ‏أنني ومع كل سخافاته، أحبه؛ لأنه ضحية، فعلى الرغم من أننا تربينا في ‏بيت واحد، فقد كان يقطن بيتًا آخَر، هو حضن خديجة، صار شخصًا ‏غريبًا، يستحق الشفقة، كنت أتشاجر وأختلف معه، وأنا أصرخ من داخلي: ‏‏”افهمْ بقى يا أخي، أنت لا تمتلك كتالوج البني آدمين، ولا تحتكره، أنت ‏لست إلهًا.” 25 ، ونستكمل في المقال القادم.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net