بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد
المرأة في جوهرها إنسان جميل، كامل القُدرات، كيان يتخطَّى رِقَّته الشكليةَ، لقوة “البناء”، والقُدرة على صياغة العالَم، مثلها مثل الرجُل. كما أنها تمتلك طاقة “الاحتواء”، والسكَن والمودَّة التي تجعل من البيت ملاذًا آمنًا، لا ثكنة أو ساحة للصراع، خُلِقت هكذا بفِطرتها، أو شكَّلها المجتمع امرأة على مَرِّ التاريخ، بحسب (سيمون دي بفوار).
وكما تناوَلنا في المقال السابق نماذجَ مشوَّهةً من الرجولة، فإنه من أمانة الطَّرح أن أرصد بعض نماذج من النساء، التي تمثِّل أدواتِ هدْم محبِطةً، تضرب – في مقْتل – روحَ المشارَكة الإنسانية، التي أحسبها الدعامة الأولى في الزواج، فتستبدل بـ “المرأة الإنسانة” نماذجَ ممسوخةً، تقايض المادةَ بالعاطفةِ، أو تستبدل – بالسكن والعواطف الخلَّاقة، التي تُبعَث بالسعادة – النديةَ القاتلةَ، أو مَن تستسهل الخداع.
طفَت على السطح نماذجُ من النساء، تخلَّت عن دورها كـ “صانعة حياة”؛ لتتحوَّل إلى مصْدَر للاستنزاف أو التدمير النفسي لأسباب متعدِّدة، ومن أبرز هذه النماذج:
ــ (المرأة الصدامية): تلك التي تخلِط بين “الاستقلال” و”الندية” العدوانية. هذا النموذج يَرى في الزواج صراعًا على السُّلطة، فكل قرار هو “معركة” يجب أن تنتصر فيها، وكل رأي للرجُل هو “محاولة طمْس” لشخصيتها. لا تبحث عن التوافُق؛ بل عن إعلان الوجود الفَج، المستمِر، وكسْر هَيبة الشريك؛ بدافع الخوف من الاستضعاف؛ فتُحيل البيتَ إلى حَلَبة ملاكَمة لفظية؛ فتقتل في الرجُل غريزة الرعاية، وتحوِّله هو الآخَر إلى كائن دفاعي أو منسحِب.
ــ وهناك (المرأة المادية): التي تختزل الرجُل في “محفظة نقود”، أو “صرَّاف آلي”، لا تَرى في زوجها شريكًا داعمًا، عاطفيًّا أو اجتماعيًّا؛ بل تقيس قيمته بمدى قُدرته على تلبية رغباتها الاستهلاكية، ومجاراة المظاهِر الاجتماعية الزائفة. هذه المرأة تستبدل ما تمْلكه من أشياء بكيانها، هكذا تَرى نفسها، وهكذا تُحب أن يراها الناس، تمارس ضغطًا ماديًّا مستمرًا، يؤدِّي لإنهاك الرجُل، وتحطيم كرامته، مما يجعل العلاقة قائمة على ”المنفعة” لا “المودَّة”، وحين تضيق اليد، تكون هي أول مَن يغادِر البيت، أو يُغرِقه باللوم والتحقير.
ــ (المرأة الضحية): التي تستخدِم “الضَّعف” سلاحًا مذمومًا. تمارِس التلاعُب العاطفيَّ من خلال لعِب دورِ المظلومة دائمًا، التي لا تستطيع فِعل شيء، وتعتمد “النكَد” وسيلةً للضغط والسيطرة. هذا النموذج سلبي يَمتَص طاقة البيت، ويُشعِر الجميع بالذنب الدائم. لا تواجِه المشكلاتِ بعقلانية؛ بل بالدموع، أو الصمت العقابيِّ، أو الابتزاز العاطفيِّ، مما يخلُق بيئةً من “الاختناق النفسي”، التي تدفَع الرجُل للهروب من البيت.


ــ (المرأة المنفصِلة عن الكيان): وهي التي تَرى في الزواج “مكانة اجتماعية” فقط، بينما تترك جوهَر المشارَكة، وممارَسة مسؤولياتها خلْف ظَهْرها. تنغمس في عالَمها الخاص، سواء في العمل المفرِط، أو الهوَس بمواقع التواصُل الاجتماعي، أو هوَس التجميل وعمليَّاته، أو صديقاتها، وتَعتبِر تفاصيلَ البيت وتربيةَ الأبناء “عِبئًا” لا تستطيعه دون مشارَكة كُلية. هي حاضرة كاسم في بطاقة العائلة، لكنها غائبة كروح محتوِية؛ مما يضطَر الرجُل للقيام بدورَين، أو تضيع الأُسرة في فراغ عاطفيٍّ موحِش.
ــ (المرأة متعدِّدة العلاقات): أي التي تجمع بين الزوج وعلاقة أخرى، فحين تشعر بالتعاسة في زواجها، لا تواجِه برفْضها، وتفضِّل الجمْعَ بين الزوج والبيت والأولاد، وعلاقة أخرى، تعجز عن المواجَهة خوفًا من تَبِعات الطلاق، عليها وعلى أولادها، أو لكَوْنها من الأنانية بحيث لا تريد أن تفقِد شيئًا، وخاصةً أولادها، تفعل هذا دون مراعاة للمسئولية الأخلاقية. وهنا نُواجَه بقضايا قتْل الزوج، أو الاشتراك في التخلُّص منه.
نحن بحاجة إلى استعادة مفهوم “المرأة السكن – الشريك”؛ ليس بالمعنى التقليدي، الذي يحصُرها في المطبَخ ورعاية الأطفال بمفردها؛ بل بالمعنى الإنساني، الذي يجعل منها “شريكةً جادة” في الحياة، كيان يؤمِن أن قُوَّته في إنسانيته مكتمِلة، في ذكائها العاطفيِّ، وقُدرتها على القيادة بالحُب، والمشارَكة لا بالتسلُّط، تُدرِك أنها لم تُخلَق لتنسحِب من قرارات الحياة المهِمة، أو من مسئولياتها، أو العَيش متخفِية، مزدوجة المشاعر، غير قادرة على المواجَهة.
ولرصْد الواقع بصورة عميقة، أستطيع أن أقول: إن ما أوجد هذه النماذجَ من النساء تُربةٌ سامة من الخطابات الموروثة المشوَّهة، مثل خطاب ”الرجُل مالهوش أمان”، فالأُسر – وفي القلب منها النساء ذواتهن – التي تربِّي الفتياتِ على الحذَر والتربُّص بدلاً من الثقة، وأيضًا مقولات مثل: ”قَصْقَصِي رِيشُه” و”أنوثتك هي سلاحك”؛ تحوِّل الأنوثة إلى أداة طمْع وابتزاز رخيص. وعلى النقيض أيضًا خطاب “المرأة السوبر، independent woman”، التي يُقنعِون فيها المرأة بأنها تستطيع العَيش كجزيرة منعزِلة، لا تحتاج أحدًا، وكلها خطابات ومقولات لا توجِّه العلاقةَ بين المرأة والرجُل في اتجاه صادق.
إن البيوت لا تُبنَى بالصراع، ولا تُدار بالنِّدية؛ بل تُبنى بـ “الإنسان” الذي يعرف أن كرامة شريكه من كرامته، وأن النجاح الحقيقيَّ ليس في “تحطيم” الآخَر؛ بل في “الارتقاء” معه وبه.
وتحريًّا للحقيقة، المجتمع لا يُنتِج هذه النماذجَ من فراغ؛ بل هناك “عملية برمَجة” ممنهَجة، تمَّت عبْر الأجيال؛ لتشكيل المرأة بطريقة تخدِم مصالِحَ منظومة معيَّنة، وغالبًا ما يكون الرجُل (أو الأهداف المادية للمجتمع) هو المستفيد الأول منها.
ففي الــ “كتالوج” الذي وضَعوه لتربية المرأة وتدجينها، حرَصوا أن تكون محصِّلة النموذج، الذي خلَّقوه في النهاية، يحقِّق أهداف الرِّجال ومصالحهم الذاتية:
1ــ فمنذ الصِّغَر، يتم غرْس فكرة أن “المرأة الجيدة هي التي تضحِّي”، وتلغي ذاتها، فهي “فصيلة O)) في الدَّم”؛ أي المعطِي العام، فيتم تصوير استنزاف صِحتها، ووقتها، ورغباتها الشخصية، على أنها “قِمة النُّبل”، تلغي ذاتَها في نجاح الزوج والأولاد، ويتم تحويلها لــ “خزَّان طاقة” مجَّاني.
ويتبدَّى الهدف من وراء شيوع وتكرار هذا الخطاب “راحة بال” الرجُل، وتفرُّغًا كاملًا من المرأة؛ لتحقيق طموحاتهم، بينما تَظَل هي عالقة في دور ”المُيَسِّر” لنجاحات الآخَرين، لماذا؟ فلكل فرْد تراتُبية مستويات من الحياة، لماذا لا تحقِّق المرأة ذاتَها على كل المستويات؟
2. كما تَمَّ تحريف مفهوم الحَياء الجميل ليصبح مرادِفًا لعدم الاعتراض، أو كبْت المشاعر وضبْطها. تُربَّى الفتاة على أن “صوتها وإصرارها عيب وعورة”، حتى لو كان للمُطالَبة بحَق، وأن “قوة الشخصية” هي “رجولة” غير مستحَبة. وأحسب أن الهدف المخفِي من هذا الخطاب ضمانُ “السهولة في الإدارة”. فالمرأة – التي يقنعونها أن التعبير عن إرادتها وموقِفها تعقُّل وحياء - هي امرأة يسهُل توجيهُها، ولا تسبِّب صداعًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا داخل البيت والمجتمَع، مما يمْنح الرجُل سُلطة مطْلقة، دون محاسَبة أو نِقاش.
3ــ كما يتم إقناع المرأة في بعض الخطابات بأن قيمتها في المجتمع مستمَدة فقط من كونها “أمًّا لفُلان” أو “زوجة لفُلان”. فإذا لم تنجح في هذه الأدوار، فهي “ناقصة”، مهما بلَغت من العِلم والنجاح. أي ربْط قيمتها الشخصية الفردية بالرعاية فقط. حتى أن الموروثات جعلت من مجرَّد ذِكْر اسمها عيبًا.
ومن الطبيعي إنه عندما تشعُر المرأة أن وجودها مرهون برضا الرجُل والمجتمَع عنها كرَاعية، فإنها ستبذُل أقصى جَهْدِها؛ لإرضائه، لتشعُر بقيمتها واتِّساقها مع ما دُجِّنت من أجْله، وهو ما يضمن استمرارية “الخدمة” بأعلى جودة. بحيث تَظَل في حالة “احتياج دائم للرضا عنها.
4. كما تُربَّى المرأة على مقولة “السِّت هي اللي تلِمّ البيت، وتحاجِي عليه”، وهذا يعني ضمْنًا أن عليها تحمُّل أخطاء الرجُل، ونزواته، وحتى إهماله، تحت مسمَّى “الحِفاظ على شكْل البيت”، وهو ما يحقِّق هدفًا خفيًّا؛ حيث توفير “حَصَانة اجتماعية” للرجُل، فثقافة المُدَارَاة والسَّتْر على أخطائه تحمي الرجُل من عواقب أخطائه، فالمجتمَع سيلوم المرأة إذا انهَار البيت، ولن يلوم الرجُلَ الذي أفسده، مما يجعله يتحرك بحُرية أكبر دون خوف من الفضيحة أو المُساءلة.


5. اختزال “الأنوثة” في “التبعية”
كما يتم برمَجة المرأة على أن “الأنوثة” هي اللين الزائد، والتردد في اتخاذ القرار، والانتظار دائمًا لخطوة من الرجُل، أي التبعية له، لا المشاركة، ومن وراء هذا الخطاب يتغيَّون تعزيز “مركَّب النقص العاطفي”. فعندما تشعُر المرأة أنها لا تستطيع القيادة أو المبادرة؛ تَظَل دائمًا “تابعة”، وهذه التبعية تضْمَن للرجُل أنه سيكون دائمًا “المِحوَر”، الذي يدور حوله الكون الأنثوي، وتصبح المرأة دومًا في منطقة الظِّل المضبَّب.
وتترسَّخ – بالتراكُم والتكرار – آثارُ هذه الخطابات الاجتماعية والدينية في أذهان النساء أنفسهن، وتَقُمْنَ – دون وعي – بإعادة إنتاج هذه المقولات، وتلك الثقافة على أذهان أولادهن بناتٍ وأولادًا.
فالمجتمع – بجموع رِجَاله – لم يُرَبِّ المرأةَ لتكون “إنسانًا مستقِلًّا”؛ بل ربَّاها لتكون “بيئةَ تشغيل وحاضنةً ناجحة” لبرامِج الآخَرين. فهي التي توفِّر المناخ، الهدوء، الطعام، التربية، والغطاء الاجتماعي؛ لكي يتفرَّغ الرجُل ”للإنتاج” أو “للسيادة”.
وهنا يتبادَر للمنطق سؤال مُهم: هل هذا النوع من التربية يخدِم الرجُل فِعلًا على المدى الطويل، ويحقِّق السعادة للنساء؟
الحقيقة هي لا؛ لأنها تنتِج “شريكًا معطِّلًا” أو “قنبلة موقوتة” من الكبْت، بدلًا من أن تنتِج “شريكًا مبدعًا” يساعد في حمْل أعباء الحياة.. ونستكمل.






















































