كتب / رضا اللبان
بسعادة يدرس الثانوية العامة ، وبكل أمل وتفاؤل وإشراقة نفس ، تراوده أحلام أنه قد قرب من تحقيق أمنيته ؛ وهي طرد الفقر وذله عن بيته.
كان حفل الوداع ، ولكن على طريقة أستاذنا التربوية. – ماذا تريد أن تدرس؟ رفع البعض أصابعهم بحماس ، وتطايرت الأجوبة المعتادة : طبيب ، مهندس ، ضابط ، طيار. وأنت؟!
فبهت صاحبنا ، وباغته السؤال ، فهو عادة من الفئة غير المرضي عنهم ؛ فالأستاذ كان يتجاهل جميع الفصل إلا شلة بعينها ، تجلس أقصى يسار الفصل ، وحق له ذلك ، فهم طلبة متفوقون ، نظيفو الجسم ، أنيقو المظهر ، إن اقترب منهم فسوف تهب عليه أنواع العطور القوية ، ويحاول أن يطيل المكوث جهتهم لينقذ أنفه من رائحة بقية الطلبة أبناء الفقراء ذوي الرائحة الكريهة والمنظر المتسخ.
إن هؤلاء أبناء علية القوم ، وعلى رأسهم ابن مدير المدرسة ، وابن الموجه التربوي ، وابن صاحب الشركة التي اشترى منها السيارة بالأقساط.
هؤلاء ذوو فكر ، وحيث كان الغنى كان العقل والأدب والرزانة ، وأينما كان الفقر ، يكشف جهله وسوء أدبه وعجزه وقلة حيلته وهوانه على الناس.
زمجر المدرس : وأنت؟
حينها فقط سأل نفسه : حقاً ماذا أريد؟ طوال هذه السنوات لم تتيسر له الفرصة ليسأل نفسه.
لعل تربيته الفقيرة حرمته حتى حق التفكير ، كان هدفه أن ينهي الثانوية لا غير.
وهذا بحده يعد إنجازاً عظيماً في أسرته ، فهو ابن لأب أمي مزارع ، قام أحد الميسورين بالسماح له بالعيش في مزرعة نخيله ، والتكسب منها مقابل الاهتمام بها، وتزويده بمنتجاتها، لذا فهو يقذف بحقيبته من الباب ؛ ليهب لمساعدة والده مع إخوته ، وكل يوم يكون هناك حدث جديد يشغله ؛ مثل ولادة بقرة ، بيع عنزة ، موت دجاج ، تلقيح النخيل ، صرم النخيل ، وهكذا.
لا يفتح حقيبة مدرسته إلا بعد أن يعود والده إلى المنزل ، ويتناول الجميع وجبة العشاء ، بالطبع وضع كهذا لا ينتج متفوقاً مهما كان مستوى ذكائه.
ولكن حلمه بأن ينهي الثانوية التي فشل أخوه الأكبر في تحقيقها ، جعله يضاعف جهده، ليرفع رصيد درجاته.
نفد صبر المعلم : – اجلس ، أعرف أنك لن تدرس الجامعة.
وعاد المعلم أدراجه إلى شلته المدللة ، إلا أنه سمع صوتاً واثقاً ينطلق من خلفه : –
بل سأدرس في الجامعة وسأصبح طبيباً.
لماذا اختار الطب؟! يبدو أنها أكثر كلمة لصقت بذهنه ، ربما لسهولة مخرجها ، لا أدري ، ربما ، ولكن ما ردة فعل معلمنا صاحب التربية الحديثة؟؟!!.
قهقه عالياً ، فرددت جدران الفصل صداه : أنت ستصبح طبيباً؟.
يا لرفع المعنويات والهمم! وليته اكتفى بما قال! بل عقب تعقيباً رائعاً: سأقطع ذراعي إن أصبحت طبيباً.
وضج الفصل بضحك هستيري. وكأنه أصيب بصعقة قلبت أمره رأساً على عقب، فتساءل : لماذا يضحكون؟! وما زال ضحكهم يسبب ضجيجاً لدماغه ، يجعله كسائل يغلي في وسط مكتوم ، يكاد يصل به إلى حد الانفجار.
أمسك رأسه بكلتا يديه كي لا ينفجر ، ونظر إلى زملائه الطلاب ليرى من فيهم يضحك؟ آه إنهم أصحاب الصف الأول ، شلة القوة المضاعفة ، كانوا يشيرون إليه ولسان حالهم يقول : من أنت كي تصبح طبيباً؟ فأنت لا تعدو كونك فقيراً ابن فقير.
⁉️ومن غيرهم يضحك؟ آه إنهم أصحاب الصف الأخير من أبناء جيرانه الفقراء ، وكانوا يشيرون إليه ولسان حالهم يقول : لم تلبس ثوباً ليس ثوبك؟ أم أخذك الحماس الطائش وأردت تقليد أبناء علية القوم؟! وأسر في نفسه ، وعزم على أمر ، وبدأ يفكر في كيفية ترتيب أوراقه ليحقق ما عزم عليه.
قُبل بكلية الطب ، وتخرج ، بل وتخصص ، وأصبح استشارياً ، وفتح عيادته الخاصة التي تحولت إلى مركز ، ثم مركز آخر فمركز ثالث.
وكلما سأله أحد عن سره قال :
يعود الفضل في دراستي -بعد الله- إلى ذلك الأستاذ الذي سخر مني. أتمنى أن أقابله لأخبره أنني أصبحت طبيباً ، لكنني لا أتمنى أن يقطع ذراعه ، بل أتمنى أن يقطع فكره المحبط عن الطلاب.























































