رئيس مجلس الإدارة
رضــــــــــــا يوســـــــــــف
رئيس التحرير
حــــــسن اللـــــــــــــبـان
مستشار التحرير
د / السيد رشاد برى

عاجل

Slider

يوسف بن تاشفين بطل معركة الزلاقة

٢٠٢٠١٠٢٣_١٨٣٤٠٨

كتب  /  رضا اللبان

ذكرى معركة الزلاقة يوافق هذا اليوم الجمعة 23اكتوبر ‍1086ميلادية
معركة خالدة اخرت سقوط الإسلام بالاندلس لأربعة قرون بعد استنجاد المسلمين بعدوة الاندلس بيوسف بن تاشفين امير المرابطين بعدوة المغرب فأجاب الدعوة وكان النصر المؤزر في انتظاره .. وصفها الاسبان بمعركة الدم .

بدأ عبور الجيوش المرابطية مضيق جبل طارق من سبتة إلى الجزيرة الخضراء، وقد عبرت الجيوش تباعا (حوالي 7000 رجل)، أولها قوة من الفرسان بقيادة داود بن عائشة، وآخرها موكب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. بدأ العبور يوم الخميس منتصف ربيع الأول 479 هـ = 30 يونيه 1086 م. ويُذكر أنه ـ خلال ذلك ـ هبت ريحٌ عاصف أثارت أمواجاً عالية، فرفع الأميرُ يوسف يده إلى السماء يدعوا الله عز وجل. :اللَّهم إن كُنت تعلم أنَّ في جوازنا هذا خيرةً للمسلمين، فسهِّل علينا جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزَه”.

سرت في الأندلس ـ خلال ذلك وقبله ـ روحٌ جديدة، ذكَّرت الناس بأيام النصر، التي رأوا بعضاً منها، وسمعوا عن أمثالها الكثير، يوم كان الخط الإسلامي واضحاً في حياتهم يموج بالسالكين.

سارع أمراء الطوائف للاشتراك بقواتهم. أعدوا ما أمكن للمشاركة في البذل والتضحية، فرحين بشهود هذا اليوم الجليل. يقول عبد الله بن بُلُقِّين ـ أمير غرناطة ـ عن تلك الأحداث، في كتابه (التبيان): “وما أَمَرْنا بضرب الطبل، وما يُستعد به للفرح، عند مخاطبته لنا بدخول الجزيرة. وظننا أنَّ إقباله إلى الأندلس منَّة من الله عَظُمت لدينا، لا سيما خاصةً من أجل القرابة، وللذي شاع من خيرهم، وإقبالهم على طلب الآخرة، وحكمهم بالحق؛ فنعمل أنفسَنا وأموالَنا في الجهاد معه كل عام، فمن عاش منا كان عزيزاً، تحت سِترٍ وحمايةٍ، ومن ماتَ كان شهيداً. والعجبُ في تلك السفرة من حُسن النيات، وإخلاص الضمائر، كأن القلوب إنما جُمعت على ذلك.

“ولقينا أمير المسلمين في طريقه إلى بطليوس بجَرِيشَة، ورأينا من إكرامه لنا وتحفيه بنا ما زادنا ذلك فيه رغبة، لو استطعنا أن نمنحه لحومنا، فضلاً عن أموالنا. ولقينا المتوكل بن الأفطس أمير بطليوس محتفلاً بعسكره: كل يرغب في الجهاد، قد أعمل جهده، ووطَّن على الموت نفسه”.

لما اقترب يوسف بن تاشفين والجيش المرابطي من إشبيلية خرج المعتمد وجماعته من الفرسان لتلقيه، وتعانقا، ودعوا الله تعالى أن يجعل جهادهما خالصاً لوجهه.

استقرَّ الجيش أياماً في إشبيلية، ثم اتجه إلى بطليوس. كانت قوات عدد من ملوك الطوائف تلحق بهم، وتلقَّاهم المتوكل أمير بطليوس. بعد أيام انتظمت القوات الأندلسية لوحدها ـ في المقدمة ـ بقيادة المعتمد بن عباد. في حين جُعلت الجيوش المرابطية في المؤخرة.

سار هذا الموكب من الجيش الإسلامي إلى موضع سهل من عمل بطليوس وأحوازها، يقع على بعد اثني عشر كيلومتراً شمالها الشرقي، في العُدوة الشمالية لوادي يانه (Guadiana). يُسمى هذا السهل في المصادر الإسلامية الزلاقة (Sagrajas). وحينما سمع الفونش السادس أنباء هذا الجيش ترك فكَّ حصار سرقسطة، وبدأ يستعدُّ. كاتبَ ملك أرغون شانجه بن ردمير (Sancho Ramirez) وأمراء ما وراء البرانس يطلب نجدة. تجمعت جيوش من جليقة وأشتوريش ونبارة مع جيوش قشتالة. لحق بهم سيل من الفرسان المتطوعين من جنوبي فرنسة وإيطالية. سار الفونش بجيشه، مزهواً بتفوقه في العدة والعَدد والإمكانات الفنية لقواته. وجعل على مقدمة جيشه قائده البرهانش (Alvar Háñez).

تختلف المصادر في تقدير عدد جيش كل من الفريقين. قد يكون عدد الجيش النصراني خمسين ألفاً أو يزيد. ودون شك فإن الجيش الإسلامي أقل من ذلك وقد يصل إلى النصف. ويذكر صاحب (الروض المعطار) أن الفونش قال حين نظر إلى جيشه: “بهؤلاء أُقاتل الجن والإنس وملائكة السماء.

جرت مراسلاتٌ بين الطرفين. أرسل ابن تاشفين ـ عملاً بأحكام السنة ـ إلى الفونش يعرض عليه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب. ومما جاء في الرسالة: “وبَلَغنا يا أذفونش أنك دعوت في الاجتماع بك، وتمنيتَ أن تكون لك فُلك تعبر البحرَ عليها إلينا، فقد أجزناه إليك، وجمع الله تعالى في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك {وَمَا دُعَآءُ الْكَافِرينَ إِلاَّ فِي ظلاَلٍ} [فاطر: 50]”. فغضب ألفونش لهذه الرسالة، وردَّ بكتاب عنيف مملوء بالوعيد. اكتفى ابن تاشفين أن يكتب في ظهر الرسالة: “الذي سيكون ستراه”.

أراد الفونش خديعة المسلمين. كتب إليهم يوم الخميس (الحادي عشر من رجب) يخبرهم أن تكون المعركة يوم الإثنين، بعده. لكن ابن عبادٍ وابن تاشفين أدركا هذه الخديعة، وأكدت ذلك أخبار استعداد معسكر النصارى، فاتخذ المسلمون الحذر “وبات الناسُ ليلتهم على أهبة واحتراس بجميع المحلات، خائفين من كيد العدو، وبعد مضي جزء من الليل، انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رُميلة القُرطبي (وكان في محلة ابن عباد) فرحاً ومسروراً، يقول: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة غد. وتأهب ودعا، ودهن رأسه وتطيب. وانتهى ذلك إلى ابن عباد، فبعث إلى يوسف فخبَّره بها تحقيقاً لما توقعه من غدر ابن فردلند، فحذروا أجمعين.

فلما كان صباح الجمعة الثاني عشر من رجب سنة (479 هـ = 23 اكتوبرالأول سنة 1086 م) زحف ألفونش بجيشه على المسلمين، وكان أميرُ المسلمين قد جلب مع جيشه إلى الأندلس الجمال، فكانت ذات نفع. دارت المعركة حاميةً الوطيس، عنيفة الحركة، شديدة الضراب، ظهرت فيها براعة الجيش الإسلامي والقائدين ابن عباد وابن تاشفين. بدا فيها أميرُ المسلمين ليس فقط فارساً صوالاً جوالاً، بل ذا مقدرة عسكرية، يبتكر الخطط المناسبة أثناء المعركة. فما إن اشتدت المعركة، واختل المعسكر الإسلامي حتى دفع ابن تاشفين إلى قلب معسكر العدو بمجموعةٍ، ثم حمل نفسه بالقوة الاحتياطية إلى المعسكر القشتالي، هاجمه بشدة. ثم اتجه صوب مؤخرته فأثخن فيه وأشعل النار، وهو على فرسه يرغِّب في الاستشهاد، وقرْعُ الطبول يدوي في الآفاق. قاتل المرابطون في صفوف متراصة ثابثة، مثل بقية أجنحة المعركة. ما إن حلَّ المغرب حتى اضطر الفونش، وقد أصيب هو نفسه، إلى الانسحاب حفظاً لحياة من بقي. طورد الفارون في كل مكان، حتى دخل الظلام، فأمر ابن تاشفين بالكف. استمرت المعركة يوماً واحداً لا غير.

تسلل في الظلام مع الفونش حوالي خمس مئة فارس ـ مثخَنين جراحاً ـ متجهين إلى طليطلة حيث توفي أكثرهم في الطريق، ولم يدخل معه طليطلة إلا حوالي مئة فارس.

كانت خسائر المعسكر القشتالي عالية، وأقل منها بكثير خسائر المعسكر الإسلامي. استشهد عدد من العلماء، كان منهم ابن رُميلة ـ المار الذكر ـ وأبو مروان عبد الملك المصمودي قاضي مراكش. كذلك منهم: الفقيه أبو رافع الفضل ولد الحافظ العالم الأندلسي الفقيه الأديب أبي محمد ابن حزم .

سرت أنباءُ هذا النصر المبين إلى القواعد الأندلسية، وكتب به ابن تاشفين إلى المغرب، فاستبشر به الناس، وسُرُّوا أيما سرور. ثم لأسباب عجَّل أمير المسلمين بالعودة إلى المغرب مما فوَّت الإفادة من هذا النصر المؤزَّر في تتبع الجيش القشتالي، ومهاجمته في عُقر داره أو على الأقل استعادة طليطلة.

كانت الزلاقة يوماً مشهوداً من أيام الإسلام، وهي لا تعني فقط كفَّ عدوان الفونش (السادس) وردَّ جيشه خاسراً، أو انتصاراً في معركة. فهي فضلاً عن أنها أنعشت النفوسَ، وقوَّت الآمال، مهدت لإيواء الأندلس وانضمامها إلى سلطان المرابطين، وأعانت في مد عمر إسلامية شبه الجزيرة الأندلسية لأربعة قرونٍ أخرى.

Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!